| فراس فرحات | كاتب وباحث سياسي
لا يمكن قراءة الحضور القطري المتصاعد في لبنان بمعزل عن التحولات التي تشهدها المنطقة، ولا عن شبكة العلاقات التي بنتها الدوحة خلال السنوات الماضية مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها إيران.
فقطر التي استطاعت الحفاظ على قنوات مفتوحة مع طهران وواشنطن في آن واحد، تبدو اليوم أمام فرصة لتوظيف هذه العلاقة في ملفات إقليمية حساسة، ولبنان واحد من أبرزها، خصوصاً أن أي بحث في مستقبل الجنوب أو إعادة الإعمار أو الاستقرار الأمني لا يمكن أن يتجاوز موقع المقاومة وعلاقتها بإيران.
من هنا، لا تبدو زيارة رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى بيروت مجرد تحرك اقتصادي أو مبادرة لمساعدة لبنان في قطاع الكهرباء، رغم أهمية هذا الملف.
فالدوحة دخلت من بوابة الاقتصاد، لكنها سرعان ما وجدت نفسها أمام ملفات أكثر حساسية: الجيش، الجنوب، إعادة الإعمار، الأمن، والعلاقات السياسية اللبنانية.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا:
هل تتحرك قطر لإصلاح بعض الملفات اللبنانية، أم أن الحضور القطري يعكس إعادة ترتيب للأدوار الإقليمية في لبنان؟
المقاومة.. الحلقة التي لا يمكن تجاوزها
في أي قراءة لمستقبل لبنان، يبقى الجنوب النقطة الأكثر حساسية، ليس فقط بسبب الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية، وإنما أيضاً بسبب موقع المقاومة في المعادلة اللبنانية.
فالمقاومة ليست طرفاً سياسياً يمكن عزله عن ملفات الجنوب، ولا قوة هامشية يمكن تجاوزها عند البحث في ترتيبات ما بعد الحرب.
وبالتالي، فإن أي دولة تريد لعب دور مؤثر في الجنوب اللبناني تحتاج إلى التعامل مع هذه الحقيقة السياسية والميدانية.
وهنا تكتسب الحركة القطرية أهميتها.
فالدوحة لم تتعامل مع المقاومة باعتبارها طرفاً يجب عزله، بل حافظت على قنوات تواصل مع مختلف القوى اللبنانية، وفي مقدمتها القوى التي تمثل البيئة السياسية والشعبية للمقاومة.
وتأتي زيارة رئيس الوزراء القطري لرئيس مجلس النواب نبيه بري في هذا السياق، لما يحمله بري من موقع أساسي في المعادلة اللبنانية، ولما يمثله من قناة سياسية مرتبطة بالجنوب والثنائي والملفات التفاوضية.
وبالتالي، فإن هذا الانفتاح القطري لا يمكن اختزاله في لقاء بروتوكولي، بل يعكس إدراكاً بأن أي مسار يتعلق بالجنوب أو التهدئة أو إعادة الإعمار يحتاج إلى التواصل مع الأطراف المؤثرة فعلياً في هذه الملفات.
إيران وقطر.. علاقة تمنح الدوحة هامشاً مختلفاً
المعادلة تصبح أكثر أهمية عند إدخال العامل الإيراني.
فقطر، خلافاً لبعض الدول الخليجية، لم تقطع جسور التواصل مع إيران، بل حافظت على علاقة سياسية ودبلوماسية متقدمة معها، مستفيدة من موقعها الجغرافي ومن قدرتها على لعب أدوار الوساطة بين طهران وواشنطن وأطراف إقليمية أخرى.
وهذه العلاقة تمنح الدوحة هامشاً لا تملكه دول أخرى.
ففي الوقت الذي ترتبط فيه قطر بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، تستطيع في الوقت نفسه التواصل مع إيران، وهو أمر بالغ الأهمية في الملفات التي تتداخل فيها المصالح الإيرانية والأميركية والإقليمية.
ولبنان يقع في قلب هذه المعادلة.
فإيران ترتبط بعلاقة استراتيجية مع المقاومة، والمقاومة تشكل لاعباً أساسياً في الجنوب اللبناني، فيما قطر تحاول تثبيت حضورها في ملفات الجنوب وإعادة الإعمار والاستقرار.
ومن هنا، يمكن فهم التقارب القطري ـ الإيراني باعتباره عاملاً يوسع قدرة الدوحة على التحرك في الملف اللبناني، وليس بالضرورة باعتباره تطابقاً في المواقف أو السياسات.
فقطر لا تحتاج إلى تبني الموقف الإيراني حتى تستفيد من علاقتها بطهران، كما أن الحفاظ على قنوات اتصال مع إيران يمنحها القدرة على نقل الرسائل وفتح الأبواب التي قد تكون مغلقة أمام أطراف أخرى.
لماذا تحتاج قطر إلى المقاومة؟
السؤال لا يتعلق فقط بما تريده قطر من لبنان، بل أيضاً بما تحتاج إليه أي مبادرة قطرية كي تنجح.
فالحديث عن إعادة إعمار الجنوب لا يمكن فصله عن الأمن.
والحديث عن الأمن لا يمكن فصله عن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية.
والحديث عن وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي لا يمكن فصله عن معادلة المقاومة.
لهذا، فإن التعامل مع المقاومة كجزء من الواقع اللبناني يصبح بالنسبة إلى الدوحة مسألة عملية، وليس بالضرورة خياراً أيديولوجياً.
فالوسيط الذي يريد التحرك بين الأطراف المختلفة يحتاج إلى الاستماع إلى الجميع، خصوصاً عندما تكون هناك ملفات لا يمكن تنفيذها على الأرض من دون موافقة أو تفاهم مع القوى المؤثرة.
ومن هنا، يمكن أن تكون قطر أمام وظيفة مختلفة عن بعض الأدوار العربية السابقة..
وهذا تحديداً هو مصدر القوة الأساسي في الدور القطري.
الجنوب وإعادة الإعمار.. الاختبار الحقيقي
قد يكون ملف الكهرباء هو العنوان الاقتصادي الأبرز للحضور القطري، لكن الاختبار الحقيقي سيبقى في الجنوب.
فإعادة الإعمار ليست مجرد مشاريع بنى تحتية، وإنما ترتبط بمصير قرى ومناطق تعرضت للدمار، وبعودة السكان، وبالواقع الأمني على الحدود.
كما أن ضخ استثمارات كبيرة في الجنوب يحتاج إلى بيئة مستقرة، وهذه الاستقرار لا يمكن أن يتحقق من خلال الاقتصاد وحده.
ولهذا، فإن الحديث القطري عن الضغط من أجل انسحاب إسرائيل ووقف الاعتداءات ودعم لبنان والجيش، بالتوازي مع الاستعداد للمساهمة في إعادة الإعمار، يعكس محاولة للتعامل مع الملفات باعتبارها مترابطة.
وهنا تظهر أهمية العلاقة مع المقاومة وإيران.
فإذا كان الجنوب جزءاً من صراع إقليمي أوسع، فإن أي مقاربة واقعية تحتاج إلى قنوات اتصال تتجاوز الحدود اللبنانية.
وقطر، بحكم علاقتها بإيران والولايات المتحدة في الوقت نفسه، تمتلك بعض هذه القنوات.
أين السعودية من هذا المشهد؟
في مقابل الحضور القطري المتزايد، يبدو الحضور السعودي في لبنان أقل بروزاً مما كان عليه في مراحل سابقة.
فالسعودية تواجه ملفات إقليمية واسعة، فيما اختارت قطر في السنوات الماضية الاستثمار في أدوار الوساطة والحوار والتواصل مع أطراف متناقضة.
وهنا لا يبدو المشهد بالضرورة صراعاً قطرياً ـ سعودياً مباشراً على لبنان.
الأدق ربما هو الحديث عن إعادة توزيع للأدوار الخليجية داخل المشهد اللبناني.
لكن إذا تحولت المبادرات القطرية إلى مشاريع فعلية في الكهرباء والإعمار والجيش، واستمر الانفتاح السياسي على مختلف القوى اللبنانية، فإن ذلك سيمنح الدوحة حضوراً أكبر في مرحلة إعادة تشكيل التوازنات اللبنانية.
واشنطن حاضرة.. لكن قطر ليست واشنطن
وجود تنسيق قطري مع الولايات المتحدة في بعض ملفات إعادة الإعمار لا يعني بالضرورة أن الدوحة تتحرك كوكيل أميركي في لبنان.
فالقوة الأساسية في الدور القطري تكمن تحديداً في قدرتها على التحرك في مساحات لا تستطيع واشنطن دخولها مباشرة.
وهنا يمكن فهم العلاقة الثلاثية غير المباشرة:
واشنطن تملك نفوذاً دولياً، إيران تملك نفوذاً إقليمياً وعلاقة استراتيجية بالمقاومة، وقطر تملك القدرة على التواصل مع الطرفين.
وهذا يمنح الدوحة هامشاً واسعاً للوساطة، خصوصاً في الملفات التي يصعب حلها عبر طرف واحد.
ومن هنا، فإن أهمية قطر بالنسبة إلى لبنان قد لا تكون في حجم الأموال التي تستطيع ضخها فقط، بل في قدرتها على فتح قنوات سياسية بين أطراف متعارضة.
هل نحن أمام مرحلة جديدة؟
ما يجري في لبنان قد يكون بداية مرحلة مختلفة.
قطر تتحرك اقتصادياً عبر الكهرباء، وسياسياً عبر التواصل مع مختلف القوى، ودبلوماسياً عبر علاقاتها الإقليمية والدولية، فيما يبرز الجنوب وإعادة الإعمار كاختبار أساسي لهذا الدور.
أما المقاومة، فتظل جزءاً مركزياً من المعادلة، ليس فقط بسبب حضورها السياسي والشعبي، بل بسبب ارتباط ملف الجنوب مباشرة بالصراع مع إسرائيل، وبعلاقاتها الإقليمية، وفي مقدمتها العلاقة مع إيران.
ومن هنا، فإن أي محاولة لإعادة ترتيب المشهد اللبناني من دون أخذ هذا الواقع في الاعتبار ستكون ناقصة.
فالدوحة تدرك أن الطريق إلى الجنوب يمر عبر السياسة، وأن السياسة اللبنانية لا يمكن فصلها عن المقاومة، وأن المقاومة لا يمكن فصلها عن علاقتها بإيران، فيما تمتلك قطر قناة تواصل مفتوحة مع طهران إلى جانب علاقاتها الوثيقة بواشنطن والعواصم العربية.
وهذه المعادلة تحديداً قد تكون ما يميز الدور القطري عن غيره.
قد تبدو الكهرباء عنواناً اقتصادياً جذاباً للحضور القطري في لبنان، لكن ما يجري يتجاوز الكهرباء.
فالجيش والجنوب وإعادة الإعمار والاستقرار، كلها ملفات مرتبطة ببعضها البعض، وكلها تتقاطع في نقطة واحدة: معادلة المقاومة والصراع مع إسرائيل.
أما التقارب القطري ـ الإيراني، فيمنح الدوحة هامشاً إضافياً للتعامل مع هذه المعادلة، من دون أن يعني ذلك تطابقاً بين قطر وإيران في كل الملفات.
وفي المقابل، فإن انفتاح قطر على المقاومة والقوى السياسية المرتبطة بالجنوب، إلى جانب علاقاتها مع الولايات المتحدة، يجعلها في موقع يسمح لها بالتحرك بين مسارات متناقضة.
لذلك، قد لا يكون السؤال الحقيقي:
هل جاءت قطر لتحل مكان السعودية؟
بل السؤال الأهم:
هل بدأت قطر تلعب دور الوسيط الإقليمي القادر على وصل لبنان بمسارات إقليمية أوسع، مستفيدة من علاقتها بإيران وانفتاحها على المقاومة، ومن علاقتها في الوقت نفسه بالولايات المتحدة والدول العربية؟
لبنان قد يكون أمام مرحلة جديدة لا يكون فيها النفوذ قائماً فقط على المال أو التحالفات السياسية، بل على القدرة على التواصل مع القوى التي تمتلك التأثير الفعلي في الأمن والسياسة والجنوب.
وفي هذه المعادلة، ستبقى المقاومة وإيران والجنوب عناصر أساسية لا يمكن تجاوزها، فيما تحاول قطر أن تتموضع في المساحة الفاصلة بين مختلف الأطراف، لتتحول من دولة داعمة للبنان إلى لاعب قادر على التأثير في شكل المرحلة المقبلة.