كتب: د. جواد عبد الوهاب:
قبل الحديث عن احتمالات الفتنة أو الحرب الطائفية في لبنان، لا بد من التوقف عند مجموعة من الحقائق التي تجعل هذا السيناريو مستبعدًا أكثر مما يروّج له البعض. فلبنان، رغم أزماته المتعددة وتعقيداته السياسية والطائفية، يمتلك اليوم عوامل ردع داخلية تجعل الانزلاق إلى مواجهة أهلية شاملة أمرًا بالغ الصعوبة.
أول هذه العوامل أن الطائفة الشيعية، التي تُعد اليوم في صلب الاستهداف السياسي والإعلامي، هي الطائفة الوحيدة التي عندما امتلكت السلاح جعلت وجهته الأساسية نحو العدو الخارجي الذي اعتدى على لبنان واحتل أجزاء من أرضه، ولم تجعل هذا السلاح أداةً للهيمنة على الداخل أو لخوض مشروع حرب أهلية. وقد تشكل هذا الخيار على مدى عقود باعتباره جزءًا من معادلة الدفاع عن لبنان وحماية سيادته، وهو ما يفسر تمسك جمهور واسع بهذا النهج رغم كل الضغوط والتحديات.
أما العامل الثاني، فيتمثل في أن الجهات التي تسعى إلى إشعال الفتنة الطائفية لا تملك القدرة الفعلية على فرضها على الأرض. وفي المقابل، فإن القوى القادرة على منع الانزلاق إلى الفوضى والحرب لا تجد مصلحة في ذلك ولا ترغب به. وهذه المعادلة تخلق نوعًا من التوازن الذي يجعل الدعوات إلى الصدام مجرد شعارات أو رهانات غير قابلة للتحقق عمليًا، لأن شروط الحرب الأهلية لا تتوافر بمجرد وجود خطاب تحريضي، بل تحتاج إلى إرادة وقدرة لدى الأطراف الأساسية، وهو ما يبدو غائبًا اليوم.
أما العامل الثالث والأهم، فهو أن الطرف الأقوى في المعادلة اللبنانية أعلن منذ البداية أن هدفه الأساسي هو مواجهة العدو وحماية لبنان، وليس الدخول في صراعات داخلية. وقد كرر هذا الموقف في مختلف المحطات الحساسة التي مر بها البلد، مؤكدًا أن الأولوية تبقى للدفاع عن لبنان واستقراره ومنع تحويل الخلافات السياسية إلى نزاعات أهلية تهدد الجميع دون استثناء.
انطلاقًا من هذه المعطيات، فإن الحديث المتكرر عن حرب طائفية وشيكة في لبنان يبدو أقرب إلى التهويل السياسي منه إلى القراءة الواقعية للأحداث. فالتحديات التي تواجه اللبنانيين اليوم هي اقتصادية واجتماعية وسيادية بالدرجة الأولى، وتتطلب تعزيز الوحدة الوطنية والحوار بين مختلف المكونات، لا الانجرار وراء خطابات التخويف والتحريض. إن الحفاظ على السلم الأهلي يبقى مسؤولية جماعية، لكنه يستند أيضًا إلى وقائع ميدانية وسياسية تجعل احتمالات الفتنة أقل بكثير مما يتصوره أو يتمناه البعض.