بقلم: الإعلامي خضر رسلان
ليست كل الحروب بحاجة إلى جبهة جديدة كي تكشف أنها تتسع. أحيانًا يكفي أن تتغيّر قيمة موقع جغرافي، أو تضيق حركة الملاحة، أو تصبح مدينة بعيدة عن خطوط القتال أقرب إلى دائرة الخطر، حتى يتضح أن الحرب بدأت تغادر حدودها التقليدية.
هذا ما يجعل التطورات المتسارعة حول البحر الأحمر وباب المندب أكثر من مجرد تطور يمني. فسيطرة أنصار الله على مناطق واسعة من الساحل الغربي واقترابهم من واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، لا يغيّران فقط طبيعة المعركة داخل اليمن، بل يضيفان إلى الصراع مساحة جديدة تتحرك فيها التجارة والطاقة والحسابات الأمنية والدبلوماسية معًا. وقد أشارت الأمم المتحدة إلى أهمية منطقة المخا وقربها من باب المندب، وإلى أن هذا الممر يمثل عقدة أساسية لحركة التجارة والطاقة العالمية.
هنا تتبدل صورة الحرب. فالممر البحري الذي كان يُنظر إليه بوصفه طريقًا تجاريًا بات جزءًا من الحسابات العسكرية والسياسية. ومع تراجع حركة السفن المرتبطة بالسعودية عبر باب المندب، يصبح البحر نفسه ساحة ضغط، حتى من دون إعلان حرب شاملة على كل السفن. وهذا النوع من الضغط أكثر تعقيدًا من المعركة التقليدية، لأنه يرفع الكلفة من دون أن يحتاج بالضرورة إلى معركة مفتوحة.
والأهم أن أثر هذا التحول لم يبقَ عند الساحل. الأصوات التي سُمعت في الرياض ليل السبت، عقب إنذار جوي رسمي، تحمل دلالة مختلفة عن مجرد اعتراض طائرة مسيّرة أو صاروخ. فالعاصمة السعودية نفسها دخلت، مع تصاعد التطورات الأخيرة، ضمن نطاق التهديد المباشر.
المغزى هنا ليس في عدد الانفجارات، بل في المسافة التي قطعتها الحرب. فكلما اقترب الخطر من مراكز القرار، يصبح من الصعب التعامل معه باعتباره مشكلة محلية يمكن احتواؤها بعيدًا عن الحسابات الكبرى. وما كان يُحسب سابقًا على أنه حرب في طرف جغرافي بعيد، بدأ يفرض نفسه على أمن العواصم، وعلى طرق التجارة، وعلى أسعار الطاقة، وعلى خيارات الدول التي تحاول إبقاء نفسها خارج النار.
وهذا يفسر جانبًا من التعقيد الأميركي. فواشنطن تستطيع الضغط، لكنها تواجه في الوقت نفسه مشكلة اتساع مساحة الصراع. فتح جبهة إضافية لا يعني فقط إرسال قوات أو أسلحة، بل يعني حماية خطوط الملاحة، وتأمين الحلفاء، ورفع كلفة الانتشار، وإعادة حساب الأولويات في منطقة تتداخل فيها أكثر من عقدة استراتيجية. وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن محاولة احتواء جبهة واحدة يمكن أن تنتج ضغطًا في جبهة أخرى.
في المقابل، لا تبدو إيران في صورة طرف ينتظر نتائج الحرب ليتعامل معها. المشهد الإيراني الأخير يعكس تركيزًا واضحًا على رفع الجاهزية والاستعداد لمراحل مقبلة، بالتوازي مع استمرار التوتر في مضيق هرمز. وهذا عامل أساسي يفاقم أزمة الملاحة والطاقة، ويفتح المجال أمام ضغوط إضافية على حركة التجارة والأسواق.
وهنا تصبح المسألة أبعد من سؤال: من يملك القدرة على توجيه ضربة أكبر؟ السؤال الأكثر أهمية هو: من يستطيع توسيع خياراته من دون أن يستهلك قدرته على الاحتمال؟
الحرب الطويلة لا تُقاس فقط بما تدمره الصواريخ والطائرات، بل بما تفعله بالاقتصاد، وبالممرات البحرية، وبالتحالفات، وبقدرة الدول على الاستمرار في تحمّل الكلفة. وكلما اتسعت رقعة التأثير، أصبح تحقيق الحسم أصعب، وأصبح الزمن نفسه عاملًا في المعركة.
من هرمز إلى باب المندب، لم تعد الجغرافيا مجرد خريطة تحدد أين تبدأ المعركة وأين تنتهي. الممرات البحرية أصبحت أوراقًا سياسية، والطاقة أصبحت جزءًا من ميزان الضغط، والعواصم التي كانت بعيدة عن النار باتت تراقب السماء بحذر أكبر.
لهذا تبدو الحرب اليوم أكبر من ساحاتها. النار لا تزال موجودة في الجبهات، لكن آثارها بدأت تتحرك في اتجاهات أخرى: في البحر، وفي الأسواق، وفي الحسابات الأمنية، وفي غرف التفاوض.
وحين تصبح طرق التجارة جزءًا من الصراع، وتصبح المسافة بين الجبهة والعاصمة أقصر، فإن السؤال لم يعد أين تقع الحرب، بل إلى أي مدى يمكن أن تتمدد قبل أن تفرض على الجميع حسابات مختلفة.