بقلم علي خيرالله شريف
قال الإمام الخميني رضوان الله عليه: لو رمى كُلُّ مُسلِمٍ سَطلَ ماءٍ على الكِيانِ الص_هيو_ني لجرفته السيول.
مليارا مسلم، وأكثر منهم من المسيحيين، يتفرجون على حوالي مليونين و٤٠٠ ألف مسلم ومسيحي يُذبَحونَ في غزة على مساحة ٣٦٠ كلم مربع، وتُرتَكَبُ فيهم المجازر بالآلاف، وألاف الأطفال والنساء يُقتلون عمداً في حرب إبادة جماعية وتدميرٍ مُمَنهَج لِلمُدُن والقرى والأحياء. والعالَمُ بشكلٍ عام يتظاهر غاضباً لتلك الجرائم، إلا المسلمين نراهم لا يتحركون، إلا القليل منهم. والأكثر من ذلك بعض الدول العربية والإسلامية تساعد العدو بمختلف الوسائل وتحرضه على الإسراع في مهمته الإجرامية.
ليست المرة الأولى التي تُرتَكَبُ فيها الـمجازر بالمسلمين، فَقبلَ ذلِكَ تَفَرَّجَ العالم على التطهير العرقي واغتصاب النساء بحق الروهينغا من قبل جيش ميانمار والميليشيات البوذية، ورأى جُثَثَهُم مُكَوَّمَة بأفظع ما يكون من إجرام، وتَفَرَّجَ قبلها على إبادة مسلمي البوسنة والهرسك واغتصاب نسائهم، وبعدها شارك العالَم في إبادة العرب في ما سُمِّيَ بالربيع العربي. السُّبحةُ تطول ولا من يعترض من أكثرية المسلمين، وكأن الأمر لا يعنيهم. بل بقوا كمن ينتظر لحظةَ إعدامِه طائعاً. مع العلم أنهم لو تحركوا لما استطاعت قوة في الدنيا أن تتحداهم أو تنال منهم. وكأنهم يستَخِفُّونَ بِدِمائِهِم وَيفقِدون ثِقَتَهُم بِأنفُسِهِم وَينسون تاريخَهُم عندما كان الشرق والغرب يخشى قُوَّتَهُم ويخشعُ لمكارِمِ أخلاقِهِم، ويدين لهم وبالعلوم والتقدم الحضاري، وبالفلسفة والفنون والطب وغيره. إن ما يحصل لا يقبله عقل ولا منطق ولا تقبله موازين قوى ولا أي مفهوم لحقوق الإنسان وحريته وكرامته.
الحديث يطول عن الأفاعيل التي تُعمِلُ بالمسلمين منذ زمن بعيد، قتلاً ونهباً وتدميراً وتشريداً، حتى أثناء حكم سلاطين بني عثمان، الذين كانوا يتصفون بالإجرام وشهوة القتل، وما زالوا مستمرين على نفس الوتيرة في تعاطيهم، مع المسلمين خاصةً، وتشهد عليهم سوريا في الوقت الحاضر ومنذ العام 2011. والمدهش أنهم رحماء إلى أقصى الحدود مع الغربيين ومع كيان إسرائيل.
برغم كل عوامل القوة التي يملكها المسلمون، من عدد السكان وعدد المفكرين والأدمغة المبدعة، إلى اتساع الأراضي وخصوبتها واتساع البحار وأهميتها الاستراتيجية والملاحية والتجارية والعسكرية، إلى الثروات الهائلة التي تختزنها أراضيها وبحارها، فإن الدول الإسلامية ضعيفة واهنة مُستَعمَرة مُستَحمَرة ومُسيطَر عَلَيها بِشكل مُهين.
يقول الرسول العربي(ص) “من رأى منكم منكراً فليُغَيِّره بِيَدِه، فإِنَّ لم يستطع فَبِلِسانِه، فإن لم يَستَطِع فَبِقَلبِهِ وذلك أضعفُ الإيمان”. إن حال أكثر الأنظمة في الدول الإسلامية يدعو إلى الاشمئزاز والغضب بنفس الوقت، بخنوعها وخضوعها وسيطرة المخابرات الغربية والصهيونية عليها، فنجد أكبر دولة إسلامية مثل أندونيسيا التي تَعُدُّ حوالي ٣٠٠ مليون نسمة، عديمة التأثير ولا يُسمع صوتُها، ولا نرى أي تأثير لها في حالة الأمة، ونرى دولة مثل مصر، بعد أن كانت أيام الرئيس جمال عبد الناصر، تقود الأمة العربية وتعتلي الصدارة في الأمة الإسلامية ودول عدم الانحياز، تقودها اليوم دويلاتٌ خليجية صغيرة معروفة الارتباطات، ومرهونة لإرادة أعتى أعداء الأمة في واشنطن وتل أبيب، ولا تجرؤ على فتح معبر رفح بل هي تشارك بفعالية في محاصرة غزة من خلال هذا المِعبَر. وحَدِّث ولا حرج عن باقي الدول الإسلامية، هذا عِلاوَةً على الدول التي تدعم العدو بكل ما أوتيت من قوة. أما بخصوص الشعوب، فهي بأكثرها مستكينة مستسلمة ومشغولة بالفقر والعوز اللذين وضعها فيهما العدو والطبقة الحاكمة التي تعتلي ظهورها.
بالاستناد إلى الحديث النبوي الشريف الذي ذكرناه، وبالاستناد إلى حالة الخوف والخمول التي تعيشها شعوبنا، بقي عندنا مرحلة أضعف الإيمان للتصدي للعدوان على غزة. وأضعف الإيمان بالنسبة للشعوب اليوم يتجلَّى بتأكيد مقاطعتها لبضائع العدو وبضائع الدول التي تسانده من الدول الغربية مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا وغيرها. وهذه المقاطعة لها جهاتٌ تنظمها، ولها وسائلُ تُعتَمَدُ وإجراءاتٌ يجب اتخاذها وبرامج يجب تنفيذها.
أما الجهات التي يجب أن تنفذ المقاطعة، فهي الآتية:
– الحكومات، ونقصد بها الحكومات غير المتورطة بدعم العدوان، والحكومات المناصرة لغزة. وهذه الأخيرة منخرطة بالطبع بالمقاطعة، ولكن قد يكون من الضروري التأكد من شمول مقاطعتها لكل شرائح المجتمع ولكل البضائع الواردة من الدول المستهدفة. أما الحكومات المتورطة في التطبيع فإننا نُعَوِّلُ على شعوبها.
– المنظمات والأحزاب والجمعيات وكل الكيانات الاجتماعية والسياسية، في الدول المناصرة للحق، من أي ديانةٍ كانت، وهي كثيرة. ويكفي ذكر دول أميركا اللاتينية مثل كوبا وكولومبيا وبوليفيا وتشيلي وفنزويلا، ودولة جنوب أفريقيا وغيرها. ولا شك أنه يوجد في الدول الغربية وغيرها الكثير من الكيانات المناصرة للشعب الفلسطيني. ولهذه الكيانات جماهيرها التي تتجاوب معها وتشكل ثقلاً وازناً وقد سمعنا عن حملات مقاطعة عديدة لإسرائيل في الجتتمعات الغربية.
– المؤسسات التربوية من مدارس وجامعات ومعاهد، وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، المساجد والكنائس، والأُسَر. وكذلك الفعاليات الاقتصادية من تجار وأصحاب مصانع ومستوردين. كُلُّها يمكنها المشاركة في حملة واسعة للمقاطعة ضمن برامج وإجراءات مدروسة وشاملة وهادفة، فيقاطع التجار كل بضاعة أو شركة مرتبطة مباشرةً أو غير مباشرةً بالعدو، ويتجهون نحو الشركات الوطنية أو الشركات غير المرتبطة من قريبٍ أو بعيدٍ بالعدو من الدول الشقيقة والصديقة. كما تحرص الفعاليات تلك على جودة المنتج مصنوعاً كان أو مستورداً من المصادر النظيفة.
وبالكلام عن البرامج والإجراءات، فيمكن لكل من يريد تطبيق المقاطعة أن يضع البرامج اللازمة التي تحرص على سِعَةِ الانتشار وعلى الدقة في معرفة المصادر المشبوهة والدقة في تطبيق الإجراءات التي يتم إقرارها.
من ناحية أخرى، من الضروري قيام حملة توعية جماهيرية كبيرة تقوم بها كل الجهات المعنية، متعددة المواد والوسائل عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي وعبر المؤتمرات والمحاضرات والأنشطة، وعبر المساجد والكنائس.
هناك الكثير من الكلام الذي يمكن قوله في مجال المقاطعة لأهمية الحدث، وينبغي على نُخَب المجتمع قيادة هذه الحملة، لأنها المسؤولة الأولى عن التوعية. وعلى المواطنين أن يحاصروا من لا يلتزم بالمقاطعة، والتشهير بكل من يُصِرُّ عليها.
المقاطعة واجب لنصرة غزة، وهي السلاح الأفعل والأقوى بمواجهة الغطرسة الغربية وبمواجهة سلاحها في محاصرة الشعوب اقتصادياً، كلما رغبت بذلك. تصوَّروا لو أن خمسمئة مليون مسلم فقط من أصل مليارين انخرطوا في المقاطعة بشكلٍ دقيقٍ وفاعل، كم ستكون الكارثة كبيرة على الدول المستهدفة من المقاطعة. فكيف بنا إذا انخرط في المقاطعة مليارا مسلم ومئات الملايين من المسيحيين وغير المسيحيين المناصرين لغزة ولكل الشعوب المقهورة. إن هكذا مقاطعة يمكن لها أن تضع اقتصادات العدو والدول المتحالفة معه في أكبر الأزمات، وبالتالي ستقلب الموازين رأساً على عقب. إذن لا يجب علينا أن نستخف بالمقاطعة.
الثلاثاء ٢٣ كانون الثاني ٢٠٢٤