بقلم علي خيرالله شريف
يجتهد بعض المحللين في طَلَّاتِهِم الإِعلامية، وبعض الكُتَّابِ في مقالاتهم السياسية، بالحديث عن أزمة خلاف بين الإدارة الأميركية ونتنياهو. فيتحدثون عن أن هذا الأخير بات يُشَكِّلُ عِبئاً على الولايات المتحدة، ويشوه صورتَها في العالم ويُعَطِّلُ مَشاريعَها(…). حتى يظن المستمع والـمُشاهد والقارِئ، أنَّ نتنياهو قام بعدوانه على غزة من تلقاء نفسه ودون علم الإدارة الأميركية. وكأنَّ هذه الإدارة هي ملاك الرحمة والسلام بين الشعوب، وأتى رئيس حكومة كيان إسرائيل لِيُلحِقَ الضَرَرَ بِسُمعَتِها ويُحرِجَها أمام حلفائها العرب.
عن أي حَرَجٍ يَتَكَلَّمُ هؤلاء السادة؟ وأمام مَن ستُحرَجُ أميركا من العرب؟
هل ستُحرَجُ أمام النائمين على فُرُشِهِم الوثيرة وهم شركاؤها في الجريمة، لا يستيقظون إلا من أجل استقبال مبعوثيها صُبحَ مساء، وَفَرشِ السجاد الأحمر لهم من أنطوني بلينكن إلى عاموس هوكشتاين إلى غلمانها من وزراء أوروبا والعرب؟ ثم بعد الظهر يتصلون بنتنياهو مُتَوَسِّلِين إليه أن لا يوقف الحرب إلا بعد القضاء على المقاومة في فلسطين.
هل ستُحرجُ أمام شعوبنا العربية الصامتة التي لا تكترث بما يجري؟
أم أنها ستُحرَج أمام تركيا والدول الإسلامية الأخرى التي لا تحرك ساكناً، وكأن المجازر تتم على سطح المريخ؟…
أليست أميركا هي التي أرسلت ضباطاً وجنوداً ومستشارين للمشاركة في تنفيذ المجازر في غزة؟
أليست هي التي تقيم منذ السابع من أوكتوبر 2023 جسوراً جوية وبرية وبحرية وعربية وتركية، لدعم إسرائيل بشتى أنواع السلاح والذخيرة والمال والغذاء والدواء، من أجل إحكام الحصار وإنجاز الإبادة بحق غزة؟
أليست أميركا هي التي أنشأت حلف “الازدهار” وحركت أساطيلَها إلى المتوسط والبحر الأحمر وبحر العرب وخليج عدن لدعم نتنياهو في عدوانه والتصدي لليمن لأنه وقف إلى جانب الفلسطينيين؟
أليست أميركا هي التي استعملت الفيتو عدة مرات لتعطيل قرار مجلس الأمن بوقف الحرب في غزة؟
أليست أميركا هي التي ترسل المبعوثين والعملاء من الوزراء والسفراء والرؤساء والأمراء، إلى لبنان ودُوَلِ المنطقة في جولاتٍ مكوكية لجمع الدعم للكيان وللضغط على أطراف المحور كي يوقفوا ضرباتهم له من لبنان والعراق وسوريا من أجل إراحتِهِ في مهمته؟
بصراحة تفتقر هذه التحليلات إلى الموضوعية، ولا يمكن لنا مجانبة الحقيقة التي تقول أن الولايات المتحدة الأميركية هي صاحبة القرار الأول والأخير في ما يجري في غزة. وإن ما يُشاعُ عن خلافات بين أميركا ونتنياهو، ليس إلا لذر الرماد في العيون، بهدف ترميم صورتها المهشمة بعد أن ظهرت على حقيقتها بالإجرام والتعطش للدماء والمجازر، وهي أيضاً عملية احتيالٍ انتخابية أميركية لخداع الرأي العام لديهما
إن مصدر العبء الذي يتراكم على الإدارة الأميركية ينبع من تلك الإدارة نفسها، بل من تاريخ الإدارات الأميركية المتعاقبة، المليء بالعدوان وراتكاب المجازر. وكلنا نعلم أنها كيانٌ عدوانيٌّ قائم على جماجم السكان الأصليين للقارة التي تحتلُّها اليوم، وتعيش على ثروات الشعوب التي تنهبها من كل أنحاء العالم. حالها في ذلك كحال ربيبتها إسرائيل، ولا يظُنَّنَّ أحدٌ أن خلافاً بينهما يمكن أن يقع ما داما على قيد الحياة.