تعميق الشراكة الإستراتيجية بين روسيا وإيران: السياق الدوافع والتحديات

 

د. محمد حسن سعد / شبكة جبل عامل الإعلامية

 

في ظل التحولات الجيوسياسية العميقة التي يشهدها العالم، تعكف روسيا وإيران على ترسيخ شراكة إستراتيجية شاملة تعكس مصالحهما المشتركة وتطلعاتهما لتعزيز موقعهما في النظام العالمي، وبينما يستعد الطرفان لتوقيع الاتفاقية النهائية في 17 كانون الثاني/يناير 2025 خلال زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى موسكو، تظهر العديد من المؤشرات على أن هذه الاتفاقية تتجاوز كونها مجرد تعاون ثنائي لتصبح نموذجاً لشراكة متكاملة تعيد صياغة التوازنات الإقليمية والدولية.

تاريخياً، كانت العلاقات بين روسيا وإيران تتسم بالتعاون الذي يوازن بين المصالح المشتركة والتحديات الجيوسياسية، ومع ذلك، فإن التطورات الأخيرة، بما في ذلك صعود قوى عالمية جديدة وتراجع الهيمنة الغربية، دفعت الجانبين إلى السعي لتوسيع نطاق التعاون ليشمل مجالات أكثر إستراتيجية، فتوقيت الاتفاقية يعكس أهمية اللحظة السياسية، خصوصاً مع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ما قد يشكل تحدياً إضافياً لطموحات الدولتين.

وتمثل هذه الشراكة خطوة طموحة نحو بناء تحالف إستراتيجي يُعزز من قدرات البلدين على مواجهة التحديات الإقتصادية والأمنية في ظل العقوبات الغربية والاضطرابات الإقليمية، وتتطلب هذه الاتفاقية تضافر جهود الجانبين لبناء قاعدة قوية للتعاون تضمن استدامة المصالح المشتركة وتحد من التأثيرات السلبية للعوامل الخارجية، وفي هذا السياق، يُعد توقيع الاتفاقية إعلاناً عن دخول مرحلة جديدة من العلاقات الروسية ـــ الإيرانية تتسم بعمق إستراتيجي غير مسبوق.

أولاً ـــ الجذور التاريخية للتعاون الإستراتيجي

ثمة جذور ممتدة في علاقات التعاون الإستراتيجي بين موسكو وطهران يمكن ايجازها بما يلي:

1 ـــ بداية التعاون الإستراتيجي

بدأت العلاقات الإستراتيجية بين روسيا وإيران في عام 2001 بتوقيع اتفاقية شاملة وضعت إطاراً للتعاون بين البلدين لمدة 10 سنوات، قابلة للتجديد تلقائياً، هذه الاتفاقية شكلت نقطة تحول بارزة في تاريخ العلاقة الثنائية، حيث كانت تهدف إلى تعزيز التعاون في مختلف المجالات الحيوية، بما في ذلك الطاقة، والبنية التحتية، والنقل، وعلى مر السنين، توسعت هذه العلاقة لتشمل مشاريع طموحة مثل تطوير حقول الغاز والنفط، وإنشاء سكك حديدية تربط بين البلدين، ما أسهم في تعزيز الترابط الإقتصادي بينهما.

مع الوقت، تزايدت الحاجة إلى تحديث هذه الاتفاقية لتتماشى مع التغيرات الديناميكية على الساحة الدولية، فالتطورات الجيوسياسية، مثل العقوبات الغربية على روسيا وإيران، دفعت الطرفين إلى البحث عن طرق بديلة لتعزيز التعاون الإقتصادي، بالإضافة إلى ذلك أدى النمو في قطاعات مثل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إلى ضرورة تضمين بنود جديدة في الاتفاقية تأخذ بعين الاعتبار هذه التحديات والفرص. من هذا المنطلق، يمكن اعتبار هذه الاتفاقية حجر الزاوية في بناء شراكة إستراتيجية طويلة الأمد تستجيب للتغيرات العالمية وتُعزز مصالح الطرفين.

2 ـــ شراكة أبعد من الإقتصاد: لم تكن هذه الشراكة محصورة فقط في الجانب الإقتصادي، بل تجاوزته إلى التعاون الثقافي والدبلوماسي، فتاريخ البلدين يشهد على محاولات سابقة للتنسيق في مواجهة التحديات الإقليمية، كالحرب السورية، التي كانت مثالاً بارزاً على تعاونهما في حماية مصالحهما المشتركة. من هنا، يمكن فهم أن العلاقات الإيرانية ـــ الروسية لم تكن وليدة المصالح المؤقتة، بل جاءت كنتاج لرؤية إستراتيجية بعيدة المدى.

ثانياً ـــ تأجيل التوقيع:

تعددت أسباب التأجيل المتكرر للتوقيع على الاتفاقية، والتي نوجزها على الشكل التالي:

1 ـــ التشكيك في مصداقية الحليف الروسي: رغم تقارب المصالح بين البلدين، توجد انقسامات داخل إيران بشأن إمكانية الاعتماد على روسيا كحليف إستراتيجي طويل الأمد، ويعود هذا التشكيك إلى مواقف روسيا المتذبذبة في بعض الملفات، مثل القضية السورية، حيث ظهر حينها الدور الإيراني في اقناع روسيا بالتدخل في الحرب السورية، ما أدى إلى إثارة تساؤلات حول جدية التزام موسكو بدعم حلفائها في المنطقة.

إضافة إلى ذلك، يظهر هذا التشكيك في سياق تاريخي يرتبط بتجارب سابقة في العلاقات الثنائية، حيث كانت هناك حالات من التردد الروسي في اتخاذ مواقف حاسمة تدعم إيران بشكل صريح، سيما خلال طرح قضية البرنامج النووي الإيراني في الوكالة الدولية للطاقة الذرية وفي مجلس الأمن الدولي، حيث تعتبر طهران ان بعضاً من مواقف موسكو كانت مخيبة للآمال اللإيراني في أوقات حرجة. هذا التردد ينعكس على المستوى السياسي داخل إيران، حيث تختلف وجهات النظر حول مدى موثوقية روسيا كشريك قادر على تقديم الدعم اللازم في الأوقات الحرجة، ومع تصاعد التحديات الإقليمية والدولية، تزداد أهمية تقييم هذه العلاقة من منظور إستراتيجي شامل يوازن بين المصالح والتحديات.

2 ـــ التحولات القيادية الإيرانية: صرَّح كاظم جلالي، السفير الإيراني في موسكو، خلال تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، عن تأجيل توقيع اتفاقية الشراكة الإستراتيجية الشاملة المزمعة بين روسيا وإيران. وأوضح السفير أن سبب التأجيل يعود إلى رحيل الرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي في أيار/مايو العام 2024، مؤكداً أن الاتفاقية كانت جاهزة للتوقيع قبل هذا الحدث المفاجئ.

وفي السياق ذاته، ترى موسكو أن العامل الرئيسي وراء تأخر الاتفاقية يكمن في السياسة الجديدة التي ينتهجها الرئيس الإيراني الحالي بزشكيان، والتي تميل نحو تعزيز العلاقات مع الدول الغربية، وقد شكل هذا التوجه الجديد تحدياً أمام إتمام الاتفاقية الإستراتيجية خلال الفترة الماضية.

3 ـــ التحفظات الناتجة عن التجربة مع الصين: تلقي تجربة إيران مع الاتفاقية الإستراتيجية الموقعة مع الصين بظلال من الشك على مستقبل الشراكات المماثلة، فبعد مرور أكثر من ثلاثة أعوام على توقيع الاتفاقية الشاملة مع الصين في 2021، لم تشهد طهران التحولات الإقتصادية والتنموية المأمولة، فالمشروعات الكبرى التي كان مخططاً لها ظلت حبيسة الأدراج، ولم تتحقق الطفرة المتوقعة في حجم التبادل التجاري بين البلدين.

وقد أدى هذا الواقع إلى نشوء حالة من التشكك والحذر داخل الأوساط السياسية والإقتصادية الإيرانية. فالنخب الإيرانية باتت تتساءل عن القيمة الحقيقية لمثل هذه الاتفاقيات الإستراتيجية مع القوى العالمية الكبرى، وما إذا كانت تتجاوز كونها مجرد إعلانات نوايا أو خطوات دبلوماسية لا تترجم إلى منافع ملموسة على أرض الواقع.

ويعزز هذا التشكك الإيراني حقيقة أن الاستثمارات الصينية الموعودة في قطاعات حيوية مثل البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا لم تتحقق بالحجم المتوقع، مما يثير تساؤلات جدية حول جدوى الدخول في اتفاقيات مماثلة مع قوى عالمية أخرى، بما فيها روسيا.

 

 

 

ثالثاً ـــ الرسائل الجيوسياسية لتوقيت الاتفاقية

تتعدد الرسائل التي يتضمنها توقيع الاتفاقية، ويمكن اختصارها بما يلي:

ـــ تعزيز المحور المناهض للغرب

في ظل التصاعد المستمر للتوترات مع الغرب، يشكل توقيع الاتفاقية الروسية ـــ الإيرانية رسالة واضحة تهدف إلى تعزيز التحالفات المناهضة للهيمنة الغربية، حيث من المرتقب ان تعمل الاتفاقية على تقوية العلاقات الإقتصادية والعسكرية، وتوسيع مجالات التعاون لتشمل التكنولوجيا المتقدمة والطاقة المتجددة، بما يعكس توجه الدولتين نحو بناء تحالف إستراتيجي يدعم التوازن العالمي.

2 ـــ دعم التحالفات الإقليمية والدولية

ستسعى الاتفاقية إلى تحقيق تكامل الجهود بين روسيا وإيران في سياقات إقليمية ودولية من خلال:

أ ـــ مشروع “ممر النقل الدولي الشمال ـــ الجنوب”: يمثل ممر النقل الدولي الشمال ـــ الجنوب مشروعاً إستراتيجياً يربط الموانئ الهندية بروسيا وأوروبا عبر إيران، مشكلاً بديلاً واعداً لقناة السويس، ويمتد هذا الممر على مسافة 7200 كيلومتر، معتمداً على شبكة متكاملة من النقل البري والبحري تبدأ من الهند مروراً بميناء بندر عباس الإيراني، ثم عبر السكك الحديدية إلى بحر قزوين وصولاً إلى روسيا وأوروبا. ويتميز المشروع بقدرته على تقليص زمن نقل البضائع بنسبة 40% وخفض التكاليف بنحو 30% مقارنة بالمسار التقليدي، مما يعزز التنافسية التجارية للدول المشاركة ويقلل الاعتماد على الممرات البحرية التقليدية.

ب ـــ التعاون في آسيا الوسطى: تمثل آسيا الوسطى ساحة إستراتيجية للتنافس والتعاون بين روسيا وإيران، حيث تسعى الدولتان لتعزيز حضورهما في هذه المنطقة الغنية بالموارد، فمن الناحية الإقتصادية، تعمل روسيا وإيران على تطوير شبكات نقل الطاقة والبنية التحتية، وإنشاء مشاريع مشتركة في مجالات النفط والغاز، وتعزيز التبادل التجاري مع دول المنطقة. كما يشمل التعاون الجانب السياسي والأمني، حيث تسعى الدولتان إلى توطيد علاقاتهما مع حكومات المنطقة من خلال المنظمات الإقليمية مثل منظمة شنغهاي للتعاون، ومكافحة التهديدات المشتركة كالإرهاب والتطرف. وتكتسب هذه الجهود أهمية خاصة في ظل المنافسة المتزايدة مع النفوذ الغربي والصيني في المنطقة، حيث تسعى روسيا وإيران إلى تأمين مصالحهما الإستراتيجية وتعزيز دورهما كقوى إقليمية مؤثرة في آسيا الوسطى.

3 ـــ تعزيز الردع الإقليمي

على الرغم من التحديات الإقليمية التي تواجهها الدولتان، تهدف الاتفاقية إلى بناء قاعدة جديدة لتعزيز الردع الإقليمي، على ان يتم ذلك من خلال:

أ ـــ الاستثمار في القطاعات الدفاعية، العسكرية، والإقتصادية.

ب ـــ تعزيز التعاون الاستخباراتي والأمني لمواجهة التهديدات المشتركة.

ج ـــ دعم الأنظمة السياسية الصديقة والحليفة في المنطقة.

رابعاً ـــ التداعيات المحتملة لتوقيع الاتفاقية

لا شك ان فيه ان هذه الاتفاقية الإستراتيجية بين روسيا وإيران قد ترتب تداعيات على مستويات عدة نبرزها كما يلي:

1 ـــ التصعيد مع الغرب

أ ـــ مزيد من العقوبات الإقتصادية: قد تواجه الدولتان روسا وإيران عقوبات جديدة تستهدف تقويض تعاونهما مع عودة الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في العشرين من كانون الثاني/يناير الحالي، خاصة في القطاعات الحيوية مثل الطاقة والدفاع.

ب ـــ تكثيف الضغوط الدبلوماسية: في التقدير ستؤدي الاتفاقية إلى تعزيز جهود الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لعزل روسيا وإيران دبلوماسياً في المحافل الدولية، مما يعمق الانقسام في النظام العالمي، ويزيد من حجم التوترات في المناطق ذات الأهمية الإستراتيجية والحيوية.

2 ـــ تغييرات في سوق الطاقة العالمية

أ ـــ التعاون الطاقوي: لا غرو في ان التعاون بين روسيا وإيران في قطاع النفط والغاز قد يؤدي إلى تأثير مباشر على توازنات العرض والطلب العالمية، خاصة إذا ما تم تطوير آليات مشتركة لتسعير وتوزيع الموارد، مع الاخذ بعين الاعتبار الثقل الذي تمثله موسكو وطهران في هذا القطاع المهم والحيوي.

ب ـــ مشروعات خطوط الأنابيب: إنشاء بنية تحتية جديدة مثل خطوط الأنابيب التي تربط بين البلدين يمكن أن يعيد تشكيل خريطة الطاقة الإقليمية والدولية، خاصة ان لروسيا خبرة كبيرة في مشروعات خطوط الأنابيب.

3 ـــ تعزيز الإستقلال الإقتصادي

أ ـــ ستتيح الاتفاقية فرصاً لتبادل الخبرات والموارد بين روسيا وإيران، وتفتح آفاق واسعة على خيارات كبرى تريدها كل من موسكو وطهران للتحلل من الأنظمة المالية العالمية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة، كما ستسهم هذا الاتفاقية في أسوأ الاحوال وفق تقديرات الطرفين في تقليل اعتمادهما على الأنظمة المالية الغربية.

ب ـــ تطوير مشروعات كبرى مثل مشروع “رشت-أستارا”، الذي يهدف إلى ربط شبكات النقل الإيرانية بالروسية عبر أذربيجان، يعزز التواصل التجاري بين آسيا وأوروبا، ويمثل هذا المشروع حلقة حيوية في سلسلة النقل الدولية حيث يتضمن إنشاء خط سكة حديد بطول 162 كيلومتراً يربط مدينة رشت الإيرانية بمدينة أستارا على الحدود الأذربيجانية، مما يسهل حركة البضائع والركاب ويخفض تكاليف النقل ويختصر المسافات بين الشرق والغرب.

خامساً ـــ تحديات تنفيذ الاتفاقية

من المحتمل ان تواجه الاتفاقية الإستراتيجية بين روسيا وايران تحديات في عدة مجالات نوجزها بما يلي:

1 ـــ العوائق السياسية والدبلوماسية:

تواجه الاتفاقية تحديات سياسية جوهرية تتمثل في الضغوط الأمريكية المتزايدة على حلفاء وشركاء البلدين، والتي قد تؤدي إلى تردد بعض الدول في تعميق علاقاتها الإقتصادية والتجارية مع روسيا وإيران. كما أن وجود تيارات سياسية داخلية متباينة في كلا البلدين، خاصة في ما يتعلق بمستوى الانفتاح على الغرب وأولويات السياسة الخارجية، قد يخلق عقبات أمام تنفيذ بعض بنود الاتفاقية أو يؤخر تحقيق أهدافها الإستراتيجية.

2 ـــ القيود الإقتصادية:

تشكل العقوبات الغربية عائقاً كبيراً أمام تطور العلاقات الإقتصادية بين البلدين، خاصة في ما يتعلق بالتحويلات المالية والوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة، كما أن تطوير البنية التحتية اللازمة لدعم التعاون الإقتصادي، مثل شبكات النقل والموانئ ومنشآت الطاقة، يتطلب استثمارات ضخمة قد يصعب توفيرها في ظل القيود المالية والعقوبات الإقتصادية المفروضة على البلدين، بالإضافة إلى ذلك، فإن تدني أسعار النفط والغاز قد يؤثر على قدرة البلدين على تمويل المشاريع المشتركة.

3 ـــ التحديات الأمنية:

تعد المنافسة على النفوذ في مناطق مثل القوقاز مصدراً محتملاً للتوتر بين البلدين، حيث قد تتعارض المصالح الإستراتيجية في بعض الأحيان، كما أن عدم الاستقرار في هذه المناطق قد يعيق تنفيذ المشاريع المشتركة ويزيد من تكاليفها، بالإضافة إلى ذلك فإن التهديدات الأمنية المشتركة مثل الإرهاب والتطرف تتطلب تنسيقاً أمنياً مكثفاً وموارد إضافية لمواجهتها.

ختاماً، تمثل الاتفاقية الإستراتيجية بين روسيا وإيران نموذجاً للتعاون القائم على المصالح المشتركة في مواجهة التحديات العالمية، ومع ذلك، يظل تحقيق أهدافها مرهوناً بالقدرة على تجاوز العقبات السياسية والإقتصادية والأمنية، كما إن تعزيز هذه الشراكة يتطلب التزاماً مستداماً من الطرفين، إضافة إلى التنسيق مع شركاء دوليين وإقليميين لضمان تحقيق الاستقرار والنمو المشترك، ومن الضروري أن يركز البلدان على تطوير إستراتيجيات طويلة الأمد تضمن تحقيق الفائدة المتبادلة وتدعم التحولات الجيوسياسية في النظام الدولي.