من هنا يبدأ تشريع الضرورة

بقلم علي خيرالله شريف

 

أتمنى أن لا تُصابَ بعض الجهات بالحساسية من مضمون هذا المقال، حساسية الطائفية والفئوية، وحساسية مصلحة الطائفة الفلانية، وحساسية المناصفة والمثالثة والمحاصصة. لأن كلامي هو لمصلحة لبنان ككل ولا يؤذي طائفة ولا مذهب ولا فئة، بل يُذَكِّر الجميع ببعض الأفكار التي تخلص البلد من الوحل الذي يغرق فيه بسبب التعقيدات والعقد النفسية التي يعيشها زعماؤه ومسؤولوه ومراكزُ السلطة والتسلط فيه.

من البدع التي خرج بها لبنان منذ فترة غير قصيرة هي بدعة “تشريع الضرورة”. عندما سمعنا بها ظننا أنهم سيجترحون تشريعاتٍ لإنقاذ البلاد والعباد مما هم فيه من كوارث، وإذا به تشريع لم تخرج “ضرورتُه” بشيءٍ يسجل علامة فارقة في تاريخ التشريع في لبنان. لقد كان بلا طعمٍ ولا فائدة، وبالحد الأدنى لنتائجه، لم يكن له أية إيجابية على الساحة اللبنانية، إن لم نقل كان له الكثير من دفع الأزمة إلى التفاقم، وكان أكثره مُفَصَّلاً على قياس بعض الصفقات التي يعقدها بعض كهنة المعبد. لن ندخل في تفنيد ذلك “التشريع البدعة”، ولكن نودُّ أن نقول أن التشريع الضروري الذي يحتاجُه لبنان هو في مكان آخر غير الذي يسير فيه مجلس النواب. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يحتاجُ لبنان تشريعاً ضرورياً يجعل انتخاب رئيس الجمهورية من الشعب، فيتم تخليصه من بازارات السفارات والتجاذبات، ويصبح أكثر قوةً وأكثر سيادةً وأكثر شرعية، لأن السلطة التي لا تصدر عن الشعب هي منقوصة الشرعية والسيادة والاستقلال، وتعيش تحت رحمة الأجنبي.

نريد تشريع ضرورة يمنع أي رئيس حكومة من أن يجرجرنا ويجرجر البلد على مزاجه أشهراً وسنوات، يُلزمه بتأليف الحكومة خلال مدة زمنية لا تتعدى الشهر أو الشهرين من تاريخ تكليفه، كما كل الدول التي تحترم نفسها، وإلا يسقط تكليفه ويتم تكليف غيره. وربما يكون أفضل تشريع هو الذي يجعل تكليفه ناتجاً عن فوزه أو فوز حزبه بأصوات المواطنين في الانتخابات، ضمن نظام انتخابات عصري ومتطور يشمل مجلس النواب ورئاسة الحكومة؟

نريد تشريعاً يمنع أي رئيس من الرؤساء أو أي موظف من موظفي الفئة الأولى من البقاء في منصبه أكثر من ولايتين متتاليتين. ويمنع من تكريس أي منصب أو رئاسة لطائفة معينة، من رئاسة الجمهورية إلى الرئاستين الثانية والثالثة، إلى قيادة قيادة الجيش وغيرها من مراكز الفئة الأولى. فالمداورة تؤمن العدالة وتفتح المجال للمنافسة بين الطوائف والأشخاص على تقديم أفضل خدمات للوطن والمواطنين وعلى تحقيق أكبر قدر من التنمية وأكثرها رقياً وحضارةً ورفاهيةً، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. وهذا سيمنع إعطاء صبغة طائفية للفاسدين.

نريد تشريع ضرورة يُنقذ القضاء من تسلط رجال السياسة ورجال الدين، ويجعله القوة الأولى في البلاد، يحاسب ويراقب ويضبط إيقاع الحياة السياسية والاجتماعية والأمنية، والجميع يحفظ روايات كثيرة عن رجال دولة عالميين وعن مُشَرِّعين وأنبياء وصالحين، يقولون فيها أن القضاء هو ميزان استتباب الأمن والنزاهة، وسبب تقدم الأوطان وحفظ حقوق الإنسان.

إن موارد تشريع الضرورة كثيرة ونستطيع إيجادها بسهولة إن أردنا فعلاً البحث عنها، أما التشريع الذي يتم حالياً في مجلس نوابنا العبقري، فهو تشريعٌ غريبٌ عن الضرورة وغريبٌ عن مصلحةِ الأوطان.