إلى طلال سلمان

 

كتب الأستاذ علي خيرالله شريف:

 

اتصلتُ به في ذلك اليوم من تشرين الثاني 2013، دون سابق لقاءٍ بيننا، كي أطلب منه نشر مقالةٍ لي بعنوان “أنا اليمونة” كتبتها لتُنشر قبل زيارة وزير السياحة اللبناني آنذاك الأستاذ فادي عبود لليمونة. فطلب مني الأستاذ أن أُرسِلَها له عبر البريد الالكتروني. وفعلاً نشرها الأستاذ يوم السبت الذي سبق زيارة الوزير المقررة يوم الأحد، في صفحةٍ داخلية ظاهرة للعيان وبعنوانٍ عريض “أنا اليمونة”.

كان هدفي من نشر تلك المقالة لفت نظر الوزير إلى أهمية قريتي “اليمونة” من الناحية السياحية، والتي تعتبر من جنان الله على الأرض، بمائها العذب وهوائها العليل وطبيعتها الخلابة وجمالها الساحر. وقدمنا يومها نص المقالة للسيد الوزير مطبوعأ على صفحة كبيرة تشبه جلد الغزال، وقرأناها له في كلمة الترحيب.

بعد ذلك كتبتُ مقالةً ثانية واردة أدناه كتحية للأستاذ طلال سلمان، وأرسلتها إليه طالباً منه التكرم بنشرها، ولكنه كما كنت أتوقع، اعتذر عن نشرها لأنه اعتبرها مديحاً له، ونشرها في السفير قد يُفهم منه أن صاحب الجريدة يمدح نفسه بقلم آخرين. وهذا الموقف لا يُستغربُ من الرجال العظام.

ولكن شاءت الأقدار أن الأستاذ طلال سلمان رحل قبلي إلى جوار ربه، فوجدتُ أنه من واجبي الأخلاقي أن أنشر هذه المقاله اليوم، تعبيراً عن غيضٍ من فيض طلال سلمان اللامتناهي، وتحيةً صغيرة من كاتبٍ صغير، للأستاذ الكبير، تغمده الله بواسع رحمته.

وإليكم المقال أدناه المكتوب بتاريخ 4 تشرين الثاني 2013.

 

*تحية تقديرٍ واحترام إلى الأستاذ طلال سلمان*

 

لم أُعوِّد نفسي على مُجامَلةِ أحد، ولم أسعَ إلا إلى رضا ربي. ولكني الآن أُصِرُّ على الأستاذ طلال سلمان أن ينشر ما كتبه قلمي تلبية لأمر عقلي ووجداني. ولأني أعرف أنه قد لا يوافق على النشر تواضعاً منه، أُعَشِّمه بحرية الكلمة وبحق القارىء في التعبير، وصوناً لشعار جريدته الغراء “صوت الذين لا صوت لهم”، أُصِرُّ عليه أن يَتَفَضَّلَ بِنَشرِ مَقالَتي الـمُتَواضِعَة هذه، التي لا أبتغي من ورائها مصلحةٌ ولا تعليقُ “نيشانٌ” ولا شكورا، بل هي طلَّةُ وُجدانٍ يحترم ويُقدِّر هيبةَ الشموخِ وكبرَ الرجال.

لا أُجامِلُكَ ولا أتَقَرَّبُ مِنكَ حامِلاً أَدواتِ الصِباغَةِ أو التبييض أو التملُّق، ولا أصِفُكَ بالعصمة، معاذ الله. والحمدلله أني من أخصام “تماسيح” الجوخ وماسحيه، وذئاب الاستغلال والغارقين فيه. ولكن أُحاوِلُ أَن أُنصِفَ بَعضاً مِن قَدرِكَ الذي يعرِفُهُ أكَثَر مِني، ربما كل أصدقائك، ويعترف به كُلُّ أخصامك.

أنا لم أتشرف بلقائك مع أني جاورتك ردحاً من الزمن، ربما لأني أتكاسل أحياناً عن تَسَلُّقِ القِمَم. لا شَكَّ قَد أَختَلِفُ مَعَكَ في بعض الآراء وبَعضِ القناعات، ولكني لا أستطيع إلا أن أُسحَرَ بكاريزما قَلَمِك، وانسِيابِيَّةِ أَفكارِك، وألـمَعِيَّةِ مَنطِقِك وقوة حُجَّتِك في تبيان قضايا الأمة. والأهم من ذلك كله، سِحرُ ثباتك على نهجك الأصيل وثبات تمسكك بالمبادىء التي أنت مقتنعٌ بها.

إنك ما عرفت التلوُّن وما سمحتَ بحرفِ “السفير” عن أصالتها، فبقيتَ أنتَ صوتُها الصدَّاح عِبرَ الآفاق تُسمِعُ الدنيا عبرها صوتَ الذين لا صوت لهم.

ولطالما حاولوا اغتيالَكَ لاغتيال كلِّ هذا فيك، فَكُنتَ أَنتَ الأَقوى مِن غَطرَسَتِهِم وما زال قَلَمُك هُوَ الأمضى من قطع سيوفهم ومن غدر بنادقهم الـمُستَورَدَة. وكانت “السفير” تحاصِرُهُم مِن تَحتِ أنامِلِك فتَخنِق غوغاءهم وتفضح فسادَهم، حتى صارت سفيرُتك إلى النجوم، ترتفع بشموخك.

لقد تراجعتُ عن تشبيهك بهياكل بعلبك، لأني وجدتك أكثرُ شموخاً وتوقُّداً، وأكثر أصالةً منها، لأنها صُنعتَ من جبال هذه الأمة الشامخة بينما هي من بقايا قلاع المستعمرين. ولا أدعي أني قرأتُ سوى غيضٍ من فيضِ إنتاجك، ولكنَّ ما قرأت يكفيني لأن أقف “على الطريق” بكل احترامٍ أمام بلاغتك الأدبية ومِهَنِيَّتِكَ الصُحُفِيَّة وأَصالَتِكَ الوَطنِيَّة والقَومِية، وبُعدِ نظرك في القضايا الاستراتيجية. و”أرفع قبعتي” لك دون أن أُقَدِّرَ عدد الذين فعلوا ذلك قبلي أو سيفعلونه بعدي على مدى الزمان والمكان.

فتحية لك، بل ألف تحية، وتمنياتي لك بالصحة والعافية وطول العمر(طبعاً نذكركم أن المقال كُتِبَ في التاريخ أدناه)… وإن خاطبتُك دون ألقاب فلأنه لا لقب أكبر وأجل من اسم “طلال سلمان”.

علي خيرالله شريف

كتبت في 4 تشرين الثاني 2013

 

وتم نشرها اليوم في 3 أيلول 2023