الدولة والمقاومة وانتظار الفرج

 

أ.د.فرح موسى:رئيس المركز الإسلامي للبحوث والدراسات.

بتاريخ ٢٧ نوفمبر ٢٠٢٤،دخل وقف إطلاق النار بين لبنان والعدو الإسرائيلي حيز التنفيذ،ومنذ ذلك اليوم والبلاد تدمّر تدريجيًا من قبل العدو على مرأى ومسمع من كل دول العالم،!!!وقد بات معلومًا للدولة اللبنانية قبل غيرها،أن المطلوب هو تأمين مصالح العدو،سواء الجيوسياسية،أو الجيوستراتيجية،بحيث يكون لهذا العدو أمنه وأمانه وسلامه!وإذا كانت المقاومة قد ألقت حبال السياسة على غارب الدولة بأن تكون هي المسؤولة والراعية لتنفيذ بنود الاتفاق من خلال لجنة المراقبة الأمريكية،فإن المقاومة لا تزال تنتظر الفرج مما يمكن أن تحققه الدولة في إطار المساعي الدولية التي تبذل لهذه الغاية!،وهي تدرك،وأعني المقاومة،حقيقة المراد منها في ما يمارس من ضغوط دولية لنزع السلاح،وتطبيع العلاقات،وما إلى ذلك مما لا تستطيع الدولة تحمله،أو المقاومة القبول به!وهنا السؤال،من أين يكون الفرج؟وهل يمكن للدولة العاجزة الأسيرة،والتي لا تملك أدنى مقوّمات القوة، أن تفرض رؤيتها لتحقيق السلام،ومنع العدوان؟

إن الذين أعطوا للعدو الحق في استمرار عدوانه على لبنان،هم أنفسهم الذين يتشدّقون بدعم الدولة وحفظ السيادة!فأي تناقض هذا،أن يُنتظر من الجلاد حلٌ،ومن العدو أملٌ!فكل شيء في لبنان أصبح مكشوفًا،فإما أن تقدمّوا السلام والأمن للعدو،وإما أن تموتوا وتدّمروا بالتدريج على نحو ما جرى ويجري طيلة الأشهر الماضية!فالمقاومة أعطت مقاليد الأمور للدولة وهذه الأخيرة بدورها تكابد في عجزها،لتكون مجرد شاهد على ما يجري!ويبقى السؤال،ماذا عن الأيام المقبلة وما يمكن أن تجود به من أحداث؟فالناس معروفون بالوفاء؛ولكنهم لا يتأخرون في السؤال عن جدوى الصمت من الدولة والمقاومة معًا !!فهل يستمر القلق والصبر على التدمير والتهجير؟أم أن الأمور ذاهبةٌ إلى مزيد من التفجير بهدف تأمين فرص الفوز لليمين المتطرف في إسرائيل؟نعم،لا بد من الإجابة عن سؤال،ما هو مصير ما اتفق عليه من وقف لإطلاق النار؟فهذا الاتفاق لم يلتزم به العدو،وقد جعلت منه الدولة اللبنانية أحجية في مسارات التفاوض!وهذا ما لا يضير العدو إطلاقًا،بل هو له بمثابة الفرج أمام كل أزمة داخلية تعصف بداخله.كما أنه لم يعد مستساغًا الصبر على الموت والتدمير والتهجير على أمل الفوز بسياسة الدبلوماسية والدعم الدولي! ،فهذا من مخلفات الماضي السحيق،أن تعطي للعدو فرصة العدوان،مقابل إعطاء اللبنانيين فرص الصبر والدبلوماسية!؟فإن لم تجيبوا عن سؤال اليوم،فغدًا ستكونون أمامه،طالما أن العدو عازم على عدوانيته!فالسؤال مطروح دائمًا من أهله،وكم تجدونه ملحًا في كلمات الإمام موسى الصدر،الذي لم يتوان يومًا عن طرحه في ظل العدوانية الصهيونية على لبنان والجنوب.!؟وانطلاقًا من ذلك،نرى أن العدوان الصهيوني مستمر ويتصاعد، مستهدفًا البشر والحجر غير مكترث لدولة، أو سيادة! فكل شيء رهن عدوانيته،فإذا لم يكن التطبيع خيارًا لما ينطوي عليه من مخاطر وجودية على الدولة نفسها،فلم يبق من خيار سوى أن تتبنى الدولة خيار المقاومة،لأنه في ظل المقاومة والدفاع عن الأرض تتوفر فرصة نهوض الدولة وبقائها.أما أن لا تكون دولة،ولا تكون مقاومة،فهذا من العبث في الوجود والمصالح،!!وهذا ما تكشف لنا عنه سنن التاريخ والتجارب،إذ لم يعهد أن دولةً خسرت وجودها في خيار المقاومة.ومن هنا،نقول:إن الفرج لن يأتي من صمت الدولة،ولا من عبث السياسة،كما أنه لن يأتي من هواجس المقاومة وعنفوانها السياسي الصاخب!.فلو أن الدول والشعوب آمنت بأقدار ربها،لما كانت قبلت بالمذلة لدقيقة واحدة،ولكن عتاة السياسة،وتجار الدين كفروا بأقدار الله تعالى،وفوتوا على أنفسهم عزة الحضور والوجود!فلا يظننّ أحدٌ أن الأوطان تبنى بالأراجيف والأكاذيب،وأساليب المداهنة على الوجود والمصير،بل تبنى بصيرورة وعي،وكينونة مجد في محاريب الشرف والحرية والكرامة الوطنية ،وليعلم الجميع أن الدولة ليست مجرد تعبير سياسي، وكيان خرافي، بل هي وجود حقيقي له معنى القيمة والكرامة والسيادة، فضلًا عن الأرض والشعب، وسلطة القانون.والسلام.