«اللقاء الوطني»: كسر معادلة مع الحزب أو ضدّه!

 

| ميسم رزق |

في لحظة تتسع فيها مساحات الاصطفاف وتضيق مساحات الحوار، يحاول «اللقاء الوطني» اختبار جمع قوى وشخصيات لا يجمعها موقف واحد من حزب الله أو من القضايا الخلافية، لكنها تلتقي على الحاجة إلى إعادة فتح قنوات التواصل حول عناوين وطنية مشتركة. لذلك، لا تكمن أهمية اللقاء في كونه إطاراً سياسياً جديداً، بل في محاولته كسر ثنائية الاصطفاف، وترك مساحة للتقاطع من دون اشتراط التطابق.

ويأتي انعقاد اللقاء في 19 تشرين الأول الجاري تتويجاً لمسار من الاتصالات واللقاءات شمل غالبية القوى السياسية والشخصيات والمرجعيات، بهدف توسيع المشاركة وعدم تحويله إلى اجتماع لفريق سياسي بعينه. وفي بلد تتعمّق فيه الانقسامات الداخلية وتتقاطع مع تحولات إقليمية ودولية، تبدو محاولة جمع المختلفين حول طاولة واحدة بحد ذاتها رسالة سياسية.

وبحسب القائمين عليه، لا يهدف اللقاء إلى إعادة إنتاج «8 آذار»، ولا إلى تشكيل إطار في مواجهة إطار آخر، بل إلى بناء مساحة وطنية يمكن من خلالها البحث في قضايا تتصل بمستقبل لبنان واستقراره، والخروج ببيان ختامي يتجاوز توصيف الأزمات إلى طرح أفكار وعناوين تصلح أرضية لحوار أوسع.

ويتقدم تطبيق اتفاق الطائف هذه العناوين، بما يحمله من دلالة داخلية وعربية، ولا سيما في ظل الموقف السعودي الذي يرى أن استقرار لبنان يمر عبر تطبيق الطائف. كذلك يطرح اللقاء حواراً وطنياً حول استراتيجية للأمن الوطني، في تقاطع مع ما ورد في خطاب قسم الرئيس جوزيف عون، بما يفتح الباب أمام نقاش أوسع في مسائل الدولة والسيادة والأمن.

ومن هنا، فإن مضمون اللقاء يقدّم أيضاً جزءاً من الإجابة عن الأسئلة المطروحة حول خارطة الطريق السياسية المقبلة. فالدعوة إلى الانفتاح على أي جهد عربي أو إقليمي أو دولي وحتى داخلي، وعدم إغلاق الأبواب أمام أي مبادرة تساعد لبنان على تجاوز أزماته، تأتي في سياق يتقاطع مع ما قاله عون بأن قلبه وبيته مفتوحان لحزب الله.

وحزب الله، في هذا المشهد، شريك في اللقاء وليس صانعه. وهذه نقطة أساسية في فهم تركيبته. فاللقاء لم يُبنَ على أساس جمع مؤيّدي الحزب، بل على أساس التواصل مع غالبية القوى السياسية، بما فيها قوى لا تؤيّده أو لديها خلافات معه. وبالتالي، فإن بعض العناوين التي قد ترد في البيان الختامي قد لا تنسجم بالضرورة مع كامل الأدبيات السياسية لكل المشاركين. وهذا ما يجعل اللقاء مساحة تقاطع لا مساحة تطابق.
ويفسّر ذلك أيضاً حرص المنظّمين على عدم تحويل اللقاء إلى ساحة اشتباك سياسي جديدة. فلا يقدّم نفسه كمشروع لإسقاط الحكومة أو مواجهة الرئاسة الأولى، ولا يدخل في الملفات التي قد تفجّر الخلافات الداخلية، بل يركّز على الاستحقاقات الوطنية الداهمة، مع إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع مختلف الأطراف، وفي مقدّمها السعودية ومصر، والانفتاح على أي جهد عربي أو إقليمي أو دولي يمكن أن يساعد لبنان في تجاوز أزماته.

المنظّمون لا يريدون استنساخ 8 آذار والنقاش حول الثوابت لا يعني بالضرورة تطابق المواقف مع حزب الله

وفي الملف الجنوبي، ينطلق اللقاء من موقف واضح يقوم على رفض التفاوض المباشر ورفض اتفاق الإطار، والتشديد على أن الأولوية هي للانسحاب الإسرائيلي قبل الانتقال إلى أي بحث آخر، في تقاطع مع موقف رئيس الحكومة نواف سلام الذي أكد أن الانسحاب يجب أن يسبق أي بحث آخر.

لكن اللافت سياسياً أن لقاءً يحرص في كل اتصالاته على التأكيد أنه ليس موجّهاً ضد أحد، ويسعى إلى مدّ جسور التواصل مع قوى مختلفة، بدأ يواجه حملة سياسية. وهنا تبدو المسألة أوسع من مجرد خلاف على حزب الله أو على مواقفه. فثمة قراءة سياسية ترى أن بعض الذين ينزعجون من قيام هذا اللقاء لا ينطلقون فقط من رغبة في التخلص من حزب الله، بل من تصوّر أوسع يقوم على إخراج كامل الفريق السياسي القريب منه أو المتقاطع معه من أي مساحة سياسية وطنية.

بمعنى آخر، قد لا تكون المشكلة بالنسبة إلى هؤلاء في حزب الله وحده، بل في أن يبقى إلى جانبه أي طرف أو شخصية أو إطار قادر على طرح عناوين وطنية جامعة أو المشاركة في صيغة تضم أطرافاً من خارج بيئته السياسية. وهنا يصبح «اللقاء الوطني» مُزعِجاً تحديداً لأنه يكسر معادلة «إمّا مع الحزب أو خارجه»، ويطرح احتمالاً ثالثاً: أن يختلف اللبنانيون مع حزب الله، وأن يختلف بعضهم معه جذرياً، لكن من دون أن يعني ذلك اجتثاث كل من يلتقي معه في بعض العناوين من المشهد الوطني.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الحملة على اللقاء باعتبارها اعتراضاً ليس فقط على تركيبته، بل على الصورة التي يحاول إنتاجها. صورة تقول إن الخلاف مع حزب الله لا يستلزم بالضرورة قطع الصلة، وإن الخلاف السياسي لا يعني حكماً إسقاط صفة الشراكة الوطنية عن المختلفين. وهذا ما يجعل نجاح اللقاء في استقطاب قوى وشخصيات متعدّدة أكثر أهمية. فكلّما اتسعت المشاركة، أصبح من الأصعب اختزاله في كونه إعادة إنتاج لاصطفاف سياسي سابق. وهو، في المقابل، لا يدّعي أن المشاركين متفقون على كل شيء، بل يقوم أساساً على فكرة أن الاتفاق على بعض العناوين الوطنية يمكن أن يكون ممكناً حتى عندما تكون الخلافات على ملفات أخرى عميقة.