انتصارات العدو الوهمية على مستشفى الشفاء

كتب الاستاذ علي خيرالله شريف:

 

وأخيراً حقق جيش الاحتلال الذي لا يُقهَر انتصارَه الذي يحلُمُ به منذ أربعين يوماً. اقتحم مستشفى الشفاء في غزة، ولهذا اليوم الصهيوني “المجيد” حشد كل آلياتِه، وأعداداً كبيرة من المستشارين الأميركيين ومن حلف الناتو، واستدعى الاحتياط، ودَشَّنَ للمعركة الهرمجدونية بآلاف المجازر التلمودية بأطفال غزة. وكانت النتيجة أنه استطاع اقتحامها. إن ما نتكلَّم عنه هي مستشفى، وليست قلعة أو ثكنة أو معسكر.

 

صَوَّر العدوُّ، للشرق والغرب، أن مستشفى الشفاء هي في الظاهر مستشفى ولكنها في باطن الأرض قلعة، وأنفاق، وترسانة سلاحٍ وصواريخ، وثكنة مقاتلين من حماس. فحشدت كل وسائل الإعلام مواهبها ومراسليها وكاميراتها مثلما حشد الاحتلال قواته من النخبة، وفاضت الأقلام والطابعات بأبلغ المقالات للحديث عن مستشفى هي أشبه بستالينغراد أو بالعاصمة الفييتنامية هانوي. وصوَّرَ العدو أن احتلال المستشفى سيكون بمثابة الانتصار على غزة. أليس المطلوب أي انتصار يُمَكِّنُ العدو من الخروج من الورطة؟

 

إن الحقيقة التي ظهرت بعد سقوط “قلعة مستشفى الشفاء” فضحت حقيقة العدو، وبَيَّنت ما يأتي:

– أن المستشفى لم تكن سوى مستشفى، ولا يوجد فيها سوى من بقي على قيد الحياة من جهازها الطبي ومن المرضى. أما من المقاتلين فلم يكن منهم أحد. كانت تضم المرضى والجرحى والأطفال والنساء، وكانت تحاول تأمين بقية الخدمات الصحية التي يسعى العدو جاهداً لحرمان أهل غزة منها.

– لم يكن تحت المستشفى أنفاق ولا مخازن سلاح ولا ثكنات عسكرية، فقط قطعتا كلاشنكوف وستة مخازن ذخيرة لها، بعضها فارغ، وهي لزوم الاستعمال الطارئ لأدنى حالات الدفاع عن النفس. وحتى لو كان فيها مقاتلين فكانوا يحيطون بها للدفاع عنها إلى آخر رمق.

– بَيَّنت المعركة المزعومة في المستشفى مرةً أخرى، كَذِبَ قوات العدو وضعفها رغم حشودها ودباباتها، ورغم تطور سلاحها ومؤازرة الأميركيين والأطلسيين لها.

– شَكَّل اقتحام للمستشفى فضيحة مُدَوِّية لجيش الاحتلال ولحكومة نتنياهو، فهم حاصروها وقصفوها لمدة أربعين يوماً، وحشدوا لها ما استطاعوا من القوات ومن أحدث الأسلحة والعتاد، وزرعوا في رؤوس الإعلام والناس ومجلس الأمن أنها تحتوي على ما ذكرناه من مستلزمات قاعدة عسكرية كبرى. وفي النهاية لم يجدوا شيئاً من كل هذا. فانقلب السحر على الساحر.

– من الغباء الاستخباراتي الصهيوني أن أجهزة العدو كانت تعتقد “من كل عقلها” أن حركة حماس تحتجز الأسرى الصهاينة أو قسماً منهم تحت المستشفى. فتبين لها عدم وجود أي أثر لأولئك الأسرى، وذهبت كل جهودهم وحشودهم أدراج الرياح.

حتى مجلس الأمن وجماعة الناتو، انتظروا سقوط المستشفى ليعتبروه انتصاراً عسكرياً للاحتلال فيبادروا على إثره إلى إقرار هدنة تنقذ العدو من مأزقه، ويطلقون عليها صفة الهدنة الإنسانية. ولكنها في الحقيقة هدنة بعيدة كل البعد عن الإنسانية، الهدف منها قبل كل شيء تأمين استراحة المحارب للجيش الصهيوني المنهك، وتأمين فرصة إضافية للاستخبارات والوشاة من العملاء لكشف الأنفاق التي تعتبر هاجسهم الأول وقاتلهم الأول، وبذل كل ما يمكنهم من مرواغة وخديعة لإطلاق الأسرى الصهاينة من بين أيدي الم_قا_وم_ين.

من ناحية ثانية، من يا ترى سيؤمن الصبغة الإنسانية للهدنة أو للمساعدات الضئيلة؟ هل هي قوات الاحتلال التي لا تريد إلا القضاء على الإنسان الفلسطيني، أم هي المنظمات الدولية التي تعمل بإمرة قوات العدو وتنسق معها المساعدات بالقطارة وتخبرها بكل شاردة وواردة تشاهدها بين الفلسطينيين، وتلعب لهم دور المُخبر والمُبَلِّغ والمحقق وتنقل إليهم الصور والداتا والإحداثيات.

ولا يجب أن ننسى أن لديهم بعد الهدنة المزعومة، خططاً لاستكمال العدوان وتحقيق الهدف الذي حددوه له، وأنذروا أهل غزة من أجله وهو “إما الموت وإما النزوح”. ويُذَكِّرنا هذا الشعار بشعار التكفيريين في سوريا في بداياتهم “المسيحي إلى بيروت والعلوي إلى التابوت”؛ فَتَيَقَّنَّا، مع ما لدينا من معطياتٍ أخرى، أنهما وجهان لعملةٍ واحدة، ويتغذَّيانِ من مصادر تمويل واحدة، وسيكون للجهتين مصير واحد، وهو الهزيمة والسقوط.

 

إذن يجب علينا أن نعلم أن مستشفى الشفاء ليست غزة، واقتحامها من قبل العدو لا يعني أبداً سقوط غزة، ولا سقوط المقاومة، بل لا يعني أبداً أن قوة الـم_قا_ومة قد أصابها أي ضعفٍ أو هوان، وبالتالي هو يعني أن العدو يدعي انتصاراً وهمياً، قد تم فضح أمره سريعاً وتم إثبات أنه هزيمة حقيقية سيتبعها المزيد من الهزائم والخيبة.

 

*الجمعة ١٧ تشرين الثاني ٢٠٢٣*