| شوقي عواضة | إعلامي وكاتب سياسي
لم تكن الاعتداءات الإسرئيليّة على لبنان وليدة اليوم بل بدأت منذ اللّحظة الأولى لاحتلال الصّهاينة لفلسطين عام 1848 حينها كان لبنان من أوائل الدّول المشاركة مع دولٍ عربيّةٍ أخرى في التّصدّي لغزو الغدّة السّرطانيّة، منذ ذلك التّاريخ المشؤوم لم تكن المقاومة خياراً للبنان وحسب بل قدراً لا مفرّ منه لمواجهة اعتداءات الكيان الذي قام بدعمٍ بريطاني لتبدأ معاناة لبنان مع الكيان الإرهابي الذي كان ينفّذ مجازره بحقّ المواطنين العزّل قبل وجود المقاومة.
ففي عام 1948 ارتكبت عصابات الهاغاناه وشتيرن والأرغون مجزرتي حولا وصلحا وذهب ضحيتهما 106 شهداء، لتتوالى الاعتداءات الإسرائيليّة على القرى الجنوبيّة بتهمة مساندة الفدائيين، فاستشهد عددٌ من اللّبنانيّين في اشتباكاتٍ حدوديّة، أمّا في خمسينيات القرن الماضي فقد أقدَم العدوّ الاسرائيليّ على عمليّات خطف لرعاة وفلاحين لبنانيّين والاعتداء عليهم في الجنوب، كما قضمَ أراضي لبنانية، إضافة الى قصفٍ مدفعي طال عيتا الشّعب ويارون وميس الجبل وهونين، وأيضاً قصف منطقة الناقورة بحجّة وجود قواعد فدائيّة للفلسطينيين وصولاً إلى عام 1968 حيث شنّ العدوّ هجوماً على مطار بيروت الدّولي ودمّر 13 طائرة مدنيّة دون أيّ ردعٍ أو تصدٍّ للعدوان، أمّا بعد اتفاق القاهرة عام 1969 الذي سمح للمقاومة الفلسطينيّة باستخدام الجنوب كمنطلق لعملياتها لتحرير فلسطين فقد صعّد العدوّ الإرهابي من استهدافه للقرى الجنوبيّة والاعتداء عليها مثل كفرشوبا، شبعا، راشيا الفخار، العرقوب. إضافةً إلى عمليّة فردان (بيروت) 1973 حيث اغتالت وحدة كوماندوس إسرائيليّة ثلاثة من قادة المقاومة الفلسطينيّة (كمال عدوان، كمال ناصر، أبو يوسف النّجار)، في تلك المرحلة من سبعينيات القرن الماضي كثّف العدوّ الإسرائيليّ من اعتداءاته على لبنان فنفّذ عمليّة إنزال بحريّة على سواحل الناعمة في مطلع السبعينيات، وشنّ غارات على الجنوب ومخيمات الفلسطينيّين، في ظلّ اندلاع الحرب الأهليّة في لبنان وغياب الدّولة كليّاً عن مشهد الاعتداءات جنوباً…
في ذروة الانقسام الدّاخلي أعلن الإمام المغيّب السيد موسى الصّدر ولادة «أفواج المقاومة اللّبنانيّة ـ أمل» كأولى طلائع فصائل المقاومة على (المستوى الشّيعي) لمواجهة العدوّ الإسرائيليّ، حينها رمى الإمام الصّدر بذور المقاومة الأولى في أرض جبل عامل التي ما ركَنت لظالمٍ ولا استكانت لمستبدٍّ منذ الاحتلال العثمانيّ ومروراً بالاحتلال الفرنسي وصولاً إلى اليوم…
أينعَ زرع الإمام مقاومين أشدّاء وتراكم تجربة أنتجت المقاومة الإسلاميّة في حزب الله حيث شكّلت رأس حربة المواجهة مع الكيان الصّهيوني وحقّقت إنجازاتٍ وانتصاراتٍ، حتى في معركتي إسناد غزة وأولي البأس. وهذا لم يلغِ دور فصائل المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة التي قاتلت الاحتلال ببسالةٍ وحقّقت انتصاراتٍ مجيدةً.
تلك المقاومة التي حملنا رسالتها من الإمام الصدر إلى سيد شهداء المقاومة الإسلاميّة السّيد عباس الموسوي وافتداها بدمه سيّد شهداء الأمّة السّيد حسن نصر الله فكبرت ونمت بدماء المجاهدين وتضحياتهم وبعذابات الجرحى ومعاناة الأسرى لن يلغيها قرارٌ أمميّ ولا رئاسيّ ولا حكوميّ، هذه المقاومة التي كانت وليدة معاناة أكثر من سبعين عاماً ما زادها تغييب إمامها الإمام السّيد موسى الصدر إلا حضوراً وبأساً وشجاعة في الدّفاع عن لبنان والجنوب. وما زادتها دماء الشّهداء إلا رفعة وإصراراً على التمسّك بسلاحها مهما كان الثّمن. فالمقاومة التي تأجّجت بتغييب إمامها واستشهاد سادتها وقادتها هي التي أنجزت تحرير الجنوب الأوّل عام 1985 وهي التي قادت بشعبها عملية التّحرير عام 2000 وهي التي هشّمت صورة الجيش الذي قيل بأنّه لا يُقهر عام 2006. هذه المقاومة هي أمانة الإمام المغيّب السّيد موسى الصدر ووصية سيد شهداء الأمّة السيد حسن نصر الله باتت تشكّل مجتمعات وأمم تنشد السّيادة الحقيقيّة المعمّدة بالتّضحيات والدّم لا بالانصياع للأميركي وغيره. وعلى الذين يطالبون بـ «نزع» سلاحها أن يفهموا بأنّ المقاومة في مفهومنا الوطنيّ هي خبزنا اليومي وعزّنا الجنوبي وفي عقيدتنا هي إباؤنا الحسينيّ وبأسنا الحيدري، وفي قوميّتنا هي إرادة عمر المختار وجمال عبد الناصر وأنطون سعاده، ووديع حداد، وكلّ الشّرفاء الذين خلّدهم التّاريخ ولطالما أنّ مقاومتنا إرادة لا تلين وقدر لا يُردّ لم يضعفها تغييب إمامها السّيد موسى الصدر ولم يوهنها استشهاد أمينها العام السّيد حسن نصر الله وهي كالشّمس تزداد اتّقاداً وتوهّجاً وتأثيراً بالرّغم من الضّربات التي تلقتها لا تزال حاضرةً للدّفاع عن لبنان. ولو لم تكن كذلك فما تفسير إصرار العدو الاسرائيليّ والشّيطان الأميركي على نزع السّلاح؟ وإذا كانت غير مجدية فلماذا يمارَس على لبنان كلّ هذه الضّغوط الأميركيّة والغربيّة والإسرائيليّة لنزع سلاحها؟
أوَليس الأجدى أن نبحث عن استراتيجيّةٍ دفاعيّةٍ تائهة في مراكز صنع القرار منذ نشوء الكيان الصّهيوني اللّقيط ونحصّن فيها لبنان؟ ومن قال بأنّ المقاومة هي نقيض الجيش والدّولة وفي التّاريخ شواهدُ كثيرةٌ تحدّثنا عن إنشاء المقاومات لجيوش وبناء دول قوية كما حدث في فرنسا في عهد شارل ديغول وفي الجزائر بعد انتصار المقاومة، وعلى كلّ من يفكّر في انتزاع سلاحها أن ينتزع من عقولنا وأفئدتنا عقيدة العيش بعزّة وإباء والعداء للكيان الصّهيوني الإرهابي وللشّيطان الأميركي، فإنْ استطاعوا ذلك حينها يستطيعون نزع سلاح المقاومة مع أرواحنا…