| أبو الفضل عباس |
تطور ميداني غير مسبوق
في تطور عسكري بالغ الخطورة، سيطرت جماعة الحوثي في العاشر من أيلول 2026 على مديرية المخا الاستراتيجية المطلة على البحر الأحمر، وفي الحادي عشر من أيلول سقط مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات الملاحية في العالم . وقد أكدت مصادر حكومية يمنية متطابقة أن الحوثيين سيطروا على معسكر “جبل النار” المهم، ومنطقة يختل، ومدينة المخا ومركز المديرية وميناء المخا . كما أشارت تقارير إلى سيطرة الجماعة على قاعدة خالد العسكرية، أكبر القواعد العسكرية في المناطق الساحلية الغربية .
يأتي هذا التطور بعد سلسلة من المكاسب الميدانية المتسارعة، إذ سيطر الحوثيون خلال الساعات والأيام السابقة على مديريتي حيس والخوخة جنوب محافظة الحديدة ، ويتقدمون الآن نحو مدن ساحلية أخرى مثل ذوباب . وتشير مصادر عسكرية إلى أن الجماعة عززت نفوذها وأحكمت سيطرتها على مضيق باب المندب، في وقت يتجه فيه القتال نحو العودة إلى حرب شاملة .
أولاً: السياق الاستراتيجي للتقدم الحوثي
1- انهيار الهدنة الهشة
تأتي هذه التطورات في ظل انهيار فعلي للهدنة التي رعتها الأمم المتحدة منذ عام 2022، والتي ظلت تحافظ على استقرار نسبي هش . وقد شهدت الأسابيع الأخيرة تصاعداً حاداً في المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية المدعومة من التحالف بقيادة السعودية في عدة محافظات، بما في ذلك تعز والحديدة والبيضاء والضالع .
2- التصعيد العابر للحدود
يتزامن التقدم الميداني للحوثيين مع تصعيد غير مسبوق في الهجمات العابرة للحدود على الأراضي السعودية. فقد أعلن التحالف الذي تقوده السعودية أن هجمات جديدة بطائرات مسيرة وصواريخ أسفرت عن إصابة ما لا يقل عن 73 شخصاً في أربع مدن سعودية جنوبية، من بينها خميس مشيط . وأقر الحوثيون باستهداف قاعدة جوية في خميس مشيط ومنشآت نفطية في مدن مجاورة، في واحدة من أعنف الهجمات على السعودية منذ بدء المواجهات الواسعة .
ثانياً: تحليل نقاط القوة والضعف للأطراف المتصارعة
نقاط قوة الحوثيين
1. القدرات العسكرية المتنامية، أظهر الحوثيون قدرة متطورة على شن هجمات مركبة تجمع بين الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والعمليات البرية، كما تجلى في السيطرة على جزيرة زقر اليمنية في جنوب البحر الأحمر “بعد هجوم بصواريخ بالستية أعقبه هجوم بري بزوارق تحمل مقاتلين”.
2. العمق الاستراتيجي، يسيطر الحوثيون على المناطق الأكثر كثافة سكانية في اليمن ومعظم أنحاء الشمال، مما يمنحهم قاعدة بشرية وموارد كبيرة .
3. الموقع الجغرافي الحاسم، مع السيطرة على المخا والتقدم نحو ذوباب، والتحكم في الشريط الساحلي المطل على باب المندب، مما يمنحهم ورقة ضغط استراتيجية غير مسبوقة .
4. الدعم الإيراني، يشكل التحالف مع إيران مصدراً للتقنيات العسكرية والدعم السياسي، خاصة في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران .
نقاط ضعف الحوثيين
1. محدودية القدرات البحرية، رغم التقدم الساحلي، لا يمتلك الحوثيون قوة بحرية تقليدية قادرة على فرض سيطرة كاملة على المضيق أو مواجهة القوات البحرية الدولية.
2. الاعتماد على الإمدادات الخارجية، يحتاج الحوثيون إلى استمرار تدفق الأسلحة والمكونات التقنية، وهو ما قد يتعرض للاستهداف في حال تصاعد العمليات العسكرية.
3. التحديات الاقتصادية، يواجه الحوثيون صعوبات في إدارة المناطق الخاضعة لسيطرتهم، مما يحد من قدرتهم على تقديم خدمات حقيقية للسكان.
نقاط قوة السعودية
1. التفوق الجوي، تمتلك السعودية قدرات جوية هائلة تمكنها من شن ضربات واسعة، كما يتضح من تنفيذ نحو 40 غارة على محافظات يمنية في يوم واحد .
2. التحالفات الدولية، تحظى السعودية بدعم أمريكي وغربي واسع، خاصة فيما يتعلق بأمن الممرات المائية وحرية الملاحة .
3. الموارد الاقتصادية، تمتلك السعودية احتياطيات مالية ضخمة تمكنها من تحمل تكاليف صراع طويل الأمد.
نقاط ضعف السعودية
1. التعقيد الاستراتيجي، تواجه السعودية معضلة استراتيجية حقيقية، إذ صرح وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان بأن “الحوثي فتح على نفسه باباً لا يحتمله”، معتبراً أن الجماعة “تحاول تصدير مشكلاتها الداخلية في اليمن إلى السعودية”.
2. القيود على العمليات البرية، تفضل السعودية تجنب الانخراط البري المباشر في اليمن، مما يحد من قدرتها على استعادة المناطق الساحلية.
3. الضغوط الدولية، تواجه السعودية ضغوطاً دولية متزايدة لإنهاء الصراع، خاصة في ظل الأزمة الإنسانية المستمرة.
ثالثاً: الخيارات المتاحة للأطراف
خيارات الحوثيين
1. تصعيد عسكري ممنهج، مواصلة التقدم للسيطرة على كامل الساحل الغربي، بما في ذلك ذوباب وبقية المناطق المحاذية لباب المندب .
2. استخدام ورقة المضيق، تهديد الملاحة الدولية كوسيلة ضغط لانتزاع تنازلات سياسية واقتصادية، بما في ذلك رفع الحصار.
3. التفاوض من موقع قوة، استغلال المكاسب الميدانية لتحسين شروطهم في أي مفاوضات مستقبلية.
خيارات السعودية
1. التصعيد العسكري، تكثيف الضربات الجوية لوقف التقدم الحوثي، مع احتمال دفع تعزيزات للقوات الحكومية .
2. الدبلوماسية الإقليمية، أكد وزير الخارجية السعودي أن “الطريق أمام الدبلوماسية للتعامل مع الحوثيين لا يزال مفتوحاً”، مما يشير إلى استمرار إمكانية الحل السياسي.
3. التحالفات الدولية،العمل على تشكيل جبهة دولية لمواجهة التهديد للملاحة، عبر مجلس الأمن والأطراف الإقليمية .
رابعاً: دور القوى الإقليمية والدولية
إيران وحزب الله
يشكل التقدم الحوثي جزءاً من استراتيجية إيرانية أوسع لفتح جبهات متعددة ضد الولايات المتحدة وحلفائها. وفي هذا السياق، يبدو أن حزب الله في لبنان يتابع التطورات بعناية، خاصة في ظل الضغوط الإسرائيلية المتصاعدة على جنوب لبنان . وقد أشار محللون إلى أن “سياسة حزب الله تتسم بالغموض” في انتظار ما ستؤول إليه التطورات .
باكستان وتركيا
تسعى السعودية إلى إشراك أطراف إقليمية مثل باكستان وتركيا في جهود الوساطة والتسوية، بهدف الضغط على إيران لكبح جماح الحوثيين. غير أن فعالية هذه الجهود تبقى محدودة في ظل التعقيدات الجيوسياسية الراهنة.
خامساً: التأثير على الملاحة الدولية والاقتصاد العالمي
الأهمية الاستراتيجية لباب المندب
يمثل مضيق باب المندب، المعروف أيضاً باسم “باب الدموع”نظراً لخطورة الملاحة فيه، البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، حيث يقع بين اليمن من جهة وجيبوتي وإريتريا على الساحل الأفريقي من جهة أخرى . ويمثل المضيق واحداً من أهم الممرات العالمية لنقل النفط الخام والوقود من منطقة الخليج إلى البحر المتوسط عبر قناة السويس أو خط أنابيب سوميد .
السيناريوهات المحتملة للسيطرة الحوثية
1. التهديد بالاستهداف، حتى بدون سيطرة كاملة، يمكن للحوثيين تهديد السفن التجارية عبر الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة، مما يرفع تكاليف التأمين ويجبر شركات الشحن على تغيير مساراتها.
2. الإغلاق الجزئي أو الكامل، في حال فرض الحوثيون سيطرة فعلية على المضيق، فإن إغلاقه سيعزل دول الخليج المنتجة للنفط “عن طرق الشحن الرئيسية، وذلك بعدما أغلقت إيران فعلياً مضيق هرمز”.
3. التداعيات الاقتصادية العالمية، يشير مراقبون إلى أن هذه السيناريوهات سوف تؤدي الى تضيق الخناق بشكل غير مسبوق على طرق الشحن الرئيسية، وتعزل دول الخليج المنتجة للنفط عن الأسواق العالمية، مما يضع أمن الطاقة الدولي أمام اختبار كارثي جديد.
سادساً: إلى أين تتجه الأمور؟
كفة الانتصار: تقييم موضوعي
رغم المكاسب الحوثية الأخيرة، لا يمكن القول بأن كفة الانتصار تميل بشكل حاسم لأي طرف. فالحوثيون حققوا تقدماً ميدانياً مهماً، لكنهم يواجهون تحديات كبيرة في الحفاظ على هذه المكاسب وتوسيعها. في المقابل، تظل السعودية قادرة على التصعيد العسكري ولديها موارد هائلة، لكنها تفضل تجنب حرب استنزاف طويلة.
احتمال فك الحصار
قد تشكل السيطرة على باب المندب ورقة تفاوضية قوية بيد الحوثيين، لكن فك الحصار السعودي عن اليمن يتطلب تسوية سياسية شاملة، وليس مجرد مكاسب عسكرية. فالحصار جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى الضغط على الحوثيين للتفاوض.
التأثير على حزب الله ولبنان
قد توفر السيطرة على باب المندب دعماً معنوياً واستراتيجياً لمحور المقاومة بقيادة إيران، لكن تأثيرها المباشر على إيقاف الحرب الإسرائيلية على لبنان يبقى محدوداً . فالصراع في لبنان له ديناميكياته الخاصة المرتبطة بالموازين الإقليمية والدولية.
السيناريوهات المستقبلية
1. التصعيد الشامل، استمرار المواجهات العسكرية واتساع رقعة الصراع ليشمل جبهات جديدة.
2. التسوية التفاوضية، التوصل إلى اتفاق يوقف القتال مقابل تنازلات من الطرفين.
3. الجمود والاستنزاف، استمرار الوضع الراهن مع تبادل الضربات دون حسم عسكري.
بالخلاصة : لحظة مؤثرة في الصراع اليمني
تمثل سيطرة الحوثيين على المخا وباب المندب لحظة مؤثرة في الصراع اليمني والإقليمي. فهي لا تعيد رسم خارطة النفوذ في اليمن فحسب، بل تفتح الباب أمام تحولات استراتيجية أوسع قد تطال أمن الملاحة الدولية والتوازنات الإقليمية. وفي ظل هذا التصعيد، يبقى السؤال الأهم: هل ستنجح الجهود الدبلوماسية في احتواء الأزمة قبل انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة تهدد استقرار المنطقة برمتها؟.