خاص / شبكة جبل عامل الاعلامية
فراس فرحات / ناشر ومدير شبكة جبل عامل الاعلامية كاتب وباحث سياسي
في لحظة سياسية شديدة الحساسية، يضع النائب السابق وليد جنبلاط ملف التطبيع مع إسرائيل في صدارة المخاوف اللبنانية، محذراً من أن الخطر لا يكمن فقط في احتمال التقسيم، بل في ما يسميه “الهوى الإسرائيلي الجنوبي”، أي الذهاب نحو التطبيع، وما يمكن أن يتركه ذلك من تداعيات على هوية لبنان وثوابته.
ويؤكد جنبلاط تمسكه بضرورة إبقاء “حاجز” أمام هذا المسار، معتبراً أن المعركة لا تتعلق بعلاقة لبنان بإسرائيل فحسب، بل تمتد إلى طبيعة الدولة وعقيدتها الوطنية والعسكرية.
وفي هذا السياق، يستعيد جنبلاط ما يعتبره إنجازاً تحقق بالتعاون مع الرئيس الراحل رفيق الحريري، تمثل في تثبيت عقيدة عربية للجيش اللبناني وتحديد العدو، محذراً من أن التطبيع قد يقود إلى معادلة جديدة خطيرة: إذا لم يعد هناك عدو، فهل يصبح تغيير عقيدة الجيش أمراً مطروحاً؟
حزب الله.. «ليسوا غرباء»
وفي مقاربته لمسألة حزب الله، يرفض جنبلاط التعامل مع مقاتليه باعتبارهم قوة غريبة عن لبنان، قائلاً إنهم “أتوا من لبنان، من الجنوب والبقاع، وهم ليسوا غرباء”.
ويذهب أبعد من ذلك في رفضه ما يسميه “النظرية الانعزالية”، التي سبق أن تعاملت مع الفلسطيني باعتباره غريباً عن لبنان، متسائلاً: “فهل نودّع الشيعة أيضاً؟”.
وبهذا الطرح، يحاول جنبلاط نقل النقاش من الخلاف حول السلاح ودور حزب الله إلى سؤال أكثر عمقاً يتعلق بالتركيبة اللبنانية نفسها، وما إذا كان الصراع السياسي سيؤدي إلى إعادة رسم مفهوم الانتماء والشراكة الوطنية.
تفاوض بورقة ضعيفة
أما في ملف التفاوض، فيؤكد جنبلاط أنه كان من المؤيدين لخيار التفاوض، سواء بصورة مباشرة أو عبر وسيط، لكنه يعترف بأن لبنان دخل المفاوضات “بورقة ضعيفة”.
ويرى أن المطلوب كان التمسك بالاتفاقيات القائمة، وفي مقدمها اتفاق الهدنة، باعتبارها أوراقاً قانونية وسياسية كان يمكن استخدامها في مواجهة الضغوط الإسرائيلية.
لكن، وفق جنبلاط، فإن المفاوضات الأخيرة لم تؤدِّ إلى نتيجة، فيما استمر التصعيد على الأرض، وصولاً إلى تدمير ممنهج لا يطال فقط المواقع والأبنية، بل البيوت والتراث والمقابر.
معركة على الأرض.. أم على الذاكرة؟
اللافت في كلام جنبلاط أنه لا ينظر إلى ما يجري في الجنوب باعتباره مجرد مواجهة عسكرية، بل يقرأه باعتباره استهدافاً للذاكرة أيضاً.
فالتدمير الذي يطال البيوت والحجر والتراث والمقابر، وفق توصيفه، يوحي بأن المسألة تتجاوز العمليات العسكرية إلى محاولة “مصادرة تراث الجنوبي واللبناني وذاكرته”.
وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة: إذا كانت الحرب تدمّر المكان، فمن يحمي ذاكرة المكان؟
لبنان أمام امتحان الوحدة
وفي ظل التحالفات الإقليمية الجديدة، يدعو جنبلاط إلى مقاربة مختلفة تقوم على عدم تحميل لبنان أكثر مما يحتمل، قائلاً: “لنبقَ على قدرنا في لبنان”.
ويشدد على ضرورة تحسين القدرة على التفاوض، وتقوية الوحدة الوطنية، وفتح قنوات الحوار مع جميع الأطراف، إلى جانب تحسين العلاقة مع سوريا.
فلبنان، وفق هذه المقاربة، لا يستطيع مواجهة التحولات الكبرى من موقع الانقسام والضعف، كما لا يستطيع أن يدخل أي مسار تفاوضي من دون أوراق قوة تحمي مصالحه.
وبين التطبيع الذي يحذّر منه جنبلاط، والمفاوضات التي يعتبر أن لبنان دخلها ضعيفاً، والتدمير الذي يطال الجنوب في أرضه وذاكرته، يبدو أن المعركة المقبلة لن تكون فقط على شكل التسوية، بل على أي لبنان سيخرج من هذه المرحلة، وأي ثوابت ستبقى فيه بعد أن تهدأ أصوات المدافع؟