حرب أخطر من أن تخوضها أميركا

| شوقي عواضة |

 

لا يمكن اختزال قضية الصّراع الإيرانيّ الأميركيّ وحصره بالملفّ النّوويّ أو بمنظومة الصّواريخ البالستيّة وتطوير التّرسانة العسكريّة الإيرانيّة أو قلب النّظام. فالمواجهة بين إيران والولايات المتحدة ليست وليدة اللّحظة ولا حدثاّ طارئاً، بل هي أزمة وصراع وجود بدأت فيه المواجهة منذ اللّحظة الأولى لانتصار الثورة الإسلاميّة التي حطّمت أحد وأهمّ ركائز الوجود الأميركيّ في المنطقة المتمثّل بنظام الشاه محمد رضا بهلوي عام 1979، منذ تلك اللّحظة أعلنت واشنطن حربها على إيران التي تملك السّلاح الأكثر خطورة من السّلاح النّووي ومن منظومة الصّواريخ البالستيّة وهو سلاح العقيدة السّياسيّة والقتاليّة القائمة على تحقيق العدالة ورفض الهيمنة والتبعية الغربيّة عموماً والأميركيّة بشكلٍ خاص على المنطقة.

هنا لا يمكن حصر الصّراع بينهما بصراعٍ عسكريٍّ تقليديٍّ بين عدّوين أو دولتين متخاصمتين بل هي مواجهة بين دولة لها عمقها التّاريخيّ والحضاريّ وهي إيران ودولة أسّست نفسها على أنقاض “الهنود الحمر” وهم السّكان الأصليّون لأميركا. والتّباين يبدو واضحاً بين الدّولتين في التّجربة والقدرة والخبرة والاحتمال وإدارة الصّراع وأعمارهما فالولايات المتحدة دولة لم يتجاوز عمرها نحو 250 عاماً، خاضت خلال قرنين ونصف القرن سلسلة حروبٍ متلاحقةٍ حقّقت فيها أغلب انتصاراتها بحروبٍ قصيرةٍ واضحةٍ ومحدودة الأهداف من بدايتها إلى نهايتها، لا بحروبٍ كبيرةٍ وصراعاتٍ مفتوحةٍ مع شعوبٍ تقاتل من أجل عقيدتها وتدافع عن أرضها وهويّتها الثّقافيّة وانتمائها، مثل دخول المارينز إلى لبنان عام 1982 وانسحابها بعد تفجير مقرّ المارينز والمظليّين الفرنسيّين والسّفارة الأميركيّة في بيروت ممّا اضطرّها للاندحار وهي تجرّ خلفها ذيول هزيمتها، وهذا لا ينفي مشاركتها في حروبٍ طويلةٍ نسبياً لكنّ بالرّغم من ذلك بقيت عاجزةً عن حسم نتائج تلك الحروب والانتصار فيها باستثناء الحرب العالميّة الثانية (1941 ـ 1945): نصرٌ شاملٌ قصيرٌ نسبياً وحرب الخليج الأولى (1991) نصرٌ عسكريٌّ سريعٌ بأهدافٍ محدودةٍ.

في حين أنّ حروبها الأطول في فيتنام وأفغانستان والعراق انتهت بالاستنزاف والانسحاب والفشل في تحقيق أهداف الحرب، وهنا لا بدّ من الإشارة إلى دور حلفاء أميركا في بعض الحروب مثل بعض الدّول العربيّة التي غطّت عمليّة غزو الكويت والعراق وأفغانستان لكن بالرّغم من ذلك فشلت في تحقيق أهداف الحرب.

في المقابل إذا ما حقّقنا في تاريخ إيران فإنّنا نجد أنّ الدّولة الأخمينيّة التي كانت أوّل مملكةٍ فارسيّةٍ كبرى قامت قبل أكثر من 2500 عاماً. ومنذ كورش الكبير، مروراً بالسّاسانيين فالصّفويين، وصولاً إلى إيران الحديثة كان الفرس يخوضون الحروب قبل أن تولد فكرة الدّولة الحديثة نفسها في تاريخهم وأبرز حروب الفرس لم تكن خاطفةً أو حملةً على الطّريقة الأميركيّة وقد خاضوا صراعاً مع روما استمرّ لقرونٍ إضافة الى صراعهم مع العثمانيّين لسنواتٍ طويلةٍ مروراً بالحرب العراقيّة الإيرانيّة التي استمرّت لثماني سنواتٍ بقرارٍ أميركيٍّ وتأييدٍ عربيٍّ لإسقاط الثّورة الإسلاميّة في مهدها، حروبٌ لم تُحسم بسرعة لكنّها لم تُسقط الدّولة الفارسيّة/ الإيرانيّة، وهو معيار النّصر في بنيتها الاستراتيجيّة، كلّ تلك المقارنة تدعونا لاستنتاج نتائج الحرب التي تقرع طبولها واشنطن وتل أبيب لنستخلص ما يلي:

1 ـ لأوّل مرّة في تاريخ الحروب الأميركيّة القائمة على التسلّط والعدوانيّة نشهد تراجعاً بقرار الحرب ضدّ إيران والانسحاب منها في البحر الأحمر وهذا يعدّ انتصاراً لإيران ومحور المقاومة.

2 ـ لأنّ إيران ليست خصماً تقليدياً كدولةٍ وجيشٍ وجبهةٍ واحدةٍ بل هي محورٌ كاملٌ بجبهاتٍ متعدّدةٍ كسرت الأنموذج التّقليديّ في المواجهة في مواجهة أميركا.

3 ـ مواجهة إيران تعني إشعال المنطقة بحربٍ إقليميّةٍ يدفع ثمنها العالم بأسره لا سيّما على مستوى الاقتصاد العالميّ.

4 ـ عجز واشنطن والغرب عن تحمّل كلفة الحرب ونتائجها ومدّتها وظبط ساحتها وضمان نتائجها وتحقيق أهدافها.

5 ـ أيّة حرب أميركيّة على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لمصالح الصين الاستراتيجيّة والاقتصاديّة وتمثّل لروسيا تهديداً أكبر بعد أوكرانيا.

6 ـ الحرب على إيران رغبة أميركيّة بقرارٍ أو ضغطٍ صهيونيٍّ سيكون ثمنها عالياً على المستوى العالميّ (إقفال مضيق هرمز وباب المندب) وأكثر من سيدفع ثمنه أميركا والكيان الصّهيونيّ.

من هنا تدرك الولايات المتحدة قبل غيرها أنّ أيّ مواجهة مع إيران إذا وقعت لن تكون ضمن حسابات التفوّق العسكريّ أو ضمن موازين توازن القوى، فوجود الصين وروسيا في المعادلة يعني أنّ إيران ليست وحدها، وأنّ كلفة الحرب غير المضمونة النتائج لم تعد عسكريّةً فقط، فالمواجهة مع إيران لن تكون بالأسلحة فقط بل بالوقت والزّمن والتّاريخ والقدرة على الاحتمال والصّبر وإطالة أمد الحرب وتحمّل ثمن هذه المواجهة داخل أميركا والكيان الصّهيوني، فهل تملك أميركا قدرة احتمال حربٍ طويلةٍ؟ وهل باستطاعتها تحمّل ثمنها على المستوى الدّاخلي والعالميّ؟ وهل تمتلك القدرة على حسم نتائج الحرب وتحقيق أهدافها…؟