دول التّلمود ومجاهدوها

| شوقي عواضة |

 

بعد نشوء تنظيم القاعدة الذي ولدت منه جبهة النّصرة التي اعتبرت أحد أجنحته في العراق وسورية في يناير عام 2012 بقيادة «أبو محمد الجولاني» بدأت العلاقات الوطيدة بينه وبين الكيان الصّهيوني وفقاً لما أشارت إليه عدّة تقارير استخباريّة وبعض الصّحف الغربيّة ومنها التّقارير الصّادرة عن بعثة الأمم المتحدة للمراقبة في الجولان السّوري المحتل خلال فترة (2014 ـ 2018).

وقد أشارت تلك التّقارير إلى وجود علاقة دعم وتنسيق بين جبهة النّصرة ووثقت حالات تواصل بين جيش العدوّ الإسرائيلي وجبهة النّصرة في الجولان، شملت تنقل عناصر النصرة عبر الخطّ الفاصل مع العدوّ وتقديم العلاج الطّبي للمقاتلين في المستشفيات الاسرائيلية. أمّا صحيفة «وول ستريت جورنال» فقد أشارت إلى تلك العلاقة في أحد تحقيقاتها عام 2017 تحت عنوان (إسرائيل تقدّم دعماً سرياً للمتمرّدين السّوريين) كاشفة عن أنّ (إسرائيل) قدّمت دعماً ماليّاً وغذائيّاً وطبياً لمجموعات من المعارضة في جنوب سورية، بينها النّصرة أو فصائل متحالفة معها.

أمّا الكاتب والصّحافي الصّهيوني والخبير في الشّؤون الاستخباريّة والأمنيّة الإسرائيليّة رونين بريغمان فقد كشف في كتابه «انهض واقتل أولاً» الذي يتحدّث فيه عن (التّاريخ السري لاغتيالات إسرائيل الموجّهة) يوثق تاريخ الاغتيالات التي نفّذها جهاز الموساد، الشّاباك، وأمان (الاستخبارات العسكريّة الإسرائيليّة) منذ نشأة الدولة وحتى اليوم معتمداً على مئات المقابلات مع مسؤولين أمنيين إسرائيليّين، بينهم رؤساء سابقون للموساد كشفوا الاغتيالات السّرية للموساد مشيرين إلى مستوى التنسيق غير المباشر بين «إسرائيل» وبعض الفصائل الجهاديّة في سورية لأنها كانت تهاجم حزب الله وإيران.

إضافة إلى تلك التّقارير نشرت العديد من الدّراسات حول العلاقة بين النصرة والعدوّ الاسرائيليّ في معهد واشنطن و»نيويورك تايمز» وصحيفة «يديعوت أحرونوت» وغيرها. لم تكن هذه العلاقة بين النّصرة التي أصبحت لاحقاً تسمّى (هيئة تحرير الشام) بقيادة «أبو محمد الجولاني» وكيان العدوّ محض صدفة، بل هي نتاج دراساتٍ وتخطيط وتنفيذ وتوجيه. بحيث إنّ تأسيس جبهة النّصرة وهيئة تحرير الشام جاء وفقاً لمواصفات المشروع الصّهيوني منذ احتلاله لفلسطين وفقاً لما يلي:

1 ـ تأسيس نواة جيش إرهابي يستقطب كلّ المقاتلين من جميع أنحاء العالم (شيشان، أفغان، إيغور، أوزباك وغيرهم) على طريقة تأسيس الكيان الصّهيوني الذي استقطب عصابات الهاغاناه وشتيرن والأرغون الإرهابية في فلسطين.

2 ـ حصر مهمات هذه العصابات الإرهابيّة ودورها في القتل وارتكاب المجازر واستهداف الأقليات وعمليات التّطهير العرقي وتبديل السّكان المحليين بعائلات الإرهابيين المتعددي الجنسيّات (توطين) وإحداث تغيير ديموغرافي.

3 ـ إعلان سورية دولة أمويّة (دينيّة على غرار دولة اليهود) مهمتها الدّفاع عن الكيان الصّهيوني وتشكيل حدّ عازل والتّصدّي لأيّ عمليّات مواجهة مع العدوّ الاسرائيلي وحمايته.

إنّ خلق كيان كإمارة الجولاني (الجهاديّة) هي نفس عمليّة احتلال فلسطين وإيجاد كيان يخدم الأجندات الغربيّة والأميركيّة ومهمّتها ضرب قوى المقاومة في سورية وتقويض الدّولة السّورية، ومنع تمدّد محور المقاومة.

الانفصال عن الهويّة الوطنيّة والقوميّة وقيادة مشروع استيطاني في سورية على نسق ما قام به العدوّ الاسرائيلي في فلسطين مشروع استيطاني عنصري قائم على نفي الشّعب الفلسطيني وتدمير هويته وقد يبدو لنا واضحاً وجلياً إذا ما أجرينا مقارنة بين سلوكيّات العصابات الصّهيونية وجبهة النّصرة وهيئة تحرير الشّام وأخواتها من منظمات إرهابيّة وبين إرهاب العدو الاسرائيليّ في المنطقة وإرهاب إمارة «أبو محمد الجولاني» لوجدنا المسلكيّة نفسها بارتكاب المجازر وتهجير السّكان الأصليين بناء على سياسات طائفيّة مقيتة وعنصريّة قاتلة فعلى سبيل المثال حين ارتكبت عصابات الهاغاناه وشتيرن والأرغون مجازر دير ياسين واللد والرملة، عبر قتلٍ جماعيّ وتجويعٍ وترحيلٍ قسري وهو ما تمارسه اليوم عصابات الجولاني وهيئة تحرير الشّام بحقّ المواطنين السوريّين في الساحل ودوما والسويداء وبحقّ الأقليات من مسيحيّين ودروز وشيعة وعلويين وغيرهم من الأقليات.

وإذا ما أجرينا مقاربة ما بين نشأة الكيان الصّهيوني ونشأة إمارة «أبو محمد الجولاني» لوجدنا المشهديّة نفسها بتفاصيلها فنشوء عصابات الهاغاناه وشتيرن والأرغون كعصاباتٍ إرهابيّةٍ وتحوّلها لاحقاً إلى نواةٍ لجيش العدوّ الاسرائيليّ على نفس المنهجيّة أسّس الجولاني جيش إمارته من شذاذ الآفاق من النّصرة والقاعدة وهيئة تحرير الشام وإذا اردنا تقييم أهداف العصابتين والجيشين لوجدنا أنّهم يتلقون نفس الدّعم من نفس الجهات الغربيّة والأميركيّة مع زبادة الدّعم الصّهيوني للجولاني كذلك الأمر في الخطاب نرى أنّ العصابات الصّهيونيّة كانت ترفع الشّعارات الإنسانيّة والدّينيّة لكنّها واقعّ تمارس القتل والإرهاب والتّطهير العرقي وهذا ما يبدو جلياً اليوم بين خطاب الجولاني وممارسات عصاباته.

خلاصة الأمر أنّه لا فرق بين إمارة «أبو محمد الجولاني» والكيان الصّهيوني فكلاهما كيانان عنصريان مهمتهما خدمة الغرب مع تمايز إمارة الجولاني بافتخاره بعدم العداء الكيان الصّهيونيّ بالرغم من كلّ ما يقوم به من اعتداءات على سورية فهو كما قال لا يتقن اللّطم والبكاء لكنّه يتقن التذلّل والزّحف على أعتاب واشنطن وتل أبيب وهو لا يسلّم بيده على النّساء لكنّه أبدع في تسليم سورية للعدوّ وتقسيمها…