سوريا بين الجمرِ والمصير: ممرُّ داوود وتداعياته الإقليمية..

 

بقلم -أبوعلي الخيامي-

منذ اندلاع الحرب السورية قبلَ أكثر من عقد، تحوّلت سوريا إلى ساحةِ صراعٍ مفتوح تتداخل فيها الأجندات الإقليمية والدوليّة، لكن ما يجري اليوم يتجاوز الصراع على السلطة أو النفوذ المحلي، ليتّصِل مباشرة بإعادة رسم خارطة المنطقة. في قلب هذا المشروع الكبير، يُعاد طرح “ممر داوود” كمُخطَّط إستراتيجي لا يقتصر على سوريا فحسب، بل يُهدِّد بتغيير التوازنات في الشرق الأوسط بأسره.

ممرُّ داوود، كما يُعرَف في بعض الأوساط البحثيّة والأمنيّة، ليسَ فقط طريقًا جغرافيًا يمتدُّ من الساحل الإسرائيلي وصولًا إلى الخليج العربي مرورًا بسوريا والعراق، بل هُو مشروعٌ أمني-إقتصادي-ديموغرافي يَرمي إلى ربطِ الكيان الإسرائيليّ بمحيطِه عبر قنوات بريّة وآمنة، تضمَنُ التفوّق الاستراتيجيّ لإسرائيل وتُضعِف أيّ تهديد مقاوِم في المنطقة.

تنفيذُه يتطلَّب تفتيت الكيانات التقليدية، ضربُ البنى الوطنية والجيوش، إشعالُ النزاعات الطائفية وتحويل دول مثل سوريا والعراق إلى ممرات هشة تحت سيطرة ميليشيات مَدعومة أو جماعات وظيفيّة.

نجاحُ المشروع يعتمد بالدرجة الأولى على تحييد سوريا وتحويلها إلى ممرّ لا دولة، وهذا ما يفسِّر محاولات استِبدال أدوات السيطرة من داعش إلى قسد، ومن النصرة إلى “هيئة تحرير الشام” بقيادة الجولاني، الذي تحوّل في السنوات الأخيرة من “عدو إرهابي” إلى “شريك وظيفي” في عيون بعض العواصم.

منطقةُ إدلب وامتدادها نحو الساحل، مرورا بِحلب ودير الزور والبوكمال، كلّها محطات حيويّة في هذا المخطّط، أمّا ما يجري في السويداء اليوم فهو جزء من سيناريو فرض الأمر الواقع، عبر شرذمة السلطة المركزية وتحويل الطوائف والمناطق إلى “كيانات آمنة” بوجه المشروع الإيراني أو محور المقاومة.

إنَّ تنفيذ ممر داوود بنجاح سيُحدث تغييرات كارثية في التوازنات الداخليّة والإقليميّة. لبنان، بحدودِه المتاخمة لسوريا، سيكون أول المتضرّرين، حيث يُصبحُ مُحاصرًا جيوسياسيًا من الشرق والشمال، مع تراجع العمق السوري كخط دعم للمقاومة.
أما في العراق، فستُعاد هندسة السلطة لصالح تفكيك الدولة المركزية، وربط إقليم كردستان بامتدادات إسرائيلية–تركية –غربية تحت عنوان “الاستقرار الاقتصادي”.

لمْ تكُنْ “إسرائيل” يومًا بعيدة عن تفاصيل الملفّ السوري. من ضربات جوية دقيقة إلى تنسيق أمني في الجنوب، وصولاً إلى “التهويل بالبدائل”، مارست تل أبيب سياسة “إدارة الفوضى” بدلًا من إيقافها. المشروع يُحقِّق لها حلمًا تاريخيًا: حدود آمنة، ممرات اقتصادية، وحزام أمني يمتد إلى العمق العربي.

المرحلة المقبلة تتطلب إعادة صياغة الأولويات لدى محور المقاومة وسائر القوى الوطنية في المنطقة. لمْ يَعُد كافيًا الاكتفاء بالشعارات أو المعارك المحدودة. المطلوبُ اليوم هو رؤية استراتيجية شاملة توقف هذا المسار الخطير، وتُعيد لسوريا دورها المركزي كقلبٍ للمشرق، لا كممر لمشاريع استعمارية جديدة.