كتب: د. جواد عبد الوهاب:
لم يكن خطاب المرشد الإيراني الجديد خطابًا عن الماضي بقدر ما كان خطابًا عن المستقبل. فمن يقرأ كلماته خارج ضجيج الإعلام يدرك أن القضية لم تعد تتعلق بمقتل قائد، مهما كان موقعه، بل بمحاولة إعادة تعريف قواعد الاشتباك في منطقة تعيش منذ سنوات على حافة الانفجار.
لقد أدركت القيادة الإيرانية أن اغتيال المرشد لا يستهدف شخصًا بقدر ما يستهدف هيبة الدولة ومنظومة الردع التي بنتها الجمهورية الإسلامية على امتداد عقود. ولهذا جاء الخطاب ليؤكد أن انتقال القيادة لا يعني انتقالًا في المبادئ، وأن الدولة التي استطاعت تجاوز الحرب والعقوبات والضغوط القصوى لن تسمح بأن يتحول اغتيال قائدها إلى مدخل لفرض معادلات جديدة عليها.
من هذه الزاوية، لا ينبغي فهم الحديث عن الثأر بوصفه انفعالًا سياسيًا أو رغبة في الانتقام، وإنما باعتباره جزءًا من فلسفة الردع التي تقوم عليها العقيدة الأمنية الإيرانية. ففي العلاقات الدولية، لا تقاس قوة الدول بما تمتلكه من سلاح فحسب، بل بقدرتها على إقناع خصومها بأن كلفة الاعتداء ستكون أعلى من أي مكسب متوقع. وإذا فقدت الدولة هذه المعادلة، فإنها تفقد أحد أهم عناصر أمنها القومي.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل سترد إيران؟ بل: كيف ستعيد تثبيت معادلة الردع من دون أن تمنح خصومها الحرب الواسعة التي قد يسعون إليها؟ هذا هو التحدي الذي يواجه القيادة الجديدة، وهو ما يفسر الغموض الذي أحاط بالخطاب. فالغموض هنا ليس ترددًا، بل أداة استراتيجية تحافظ على حرية القرار وتُبقي الخصم في حالة استنفار دائم.
وقد يظن بعض المراقبين أن ارتفاع سقف الخطاب يعني اقتراب مواجهة شاملة، إلا أن التجربة الإيرانية خلال العقود الماضية تشير إلى أن طهران تميّز عادة بين اللغة السياسية وإدارة الميدان. فهي تسعى إلى تثبيت الردع، لكنها في الوقت نفسه تحاول أن تجعل أي رد جزءًا من حسابات دقيقة تتعلق بالتوقيت، والوسيلة، والنتائج، بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.
كما أن الخطاب لم يكن موجهًا إلى الخصوم وحدهم، بل حمل رسالة واضحة إلى الداخل الإيراني وإلى الحلفاء في الإقليم، مفادها أن المشروع السياسي للجمهورية الإسلامية أكبر من الأشخاص، وأن تغيير القيادة لا يعني تغيير الاتجاه. وهذه الرسالة تكتسب أهمية خاصة في لحظات التحول، حيث يراهن الخصوم غالبًا على أن يؤدي غياب القائد إلى إرباك المؤسسات وإضعاف القرار السياسي.
وفي المقابل، يفرض اغتيال قادة الدول سؤالًا بالغ الخطورة على النظام الإقليمي بأسره. فإذا أصبح استهداف القيادات السياسية والعسكرية أداة اعتيادية في إدارة الصراعات، فإن المنطقة ستكون أمام مرحلة تتراجع فيها الضوابط التي حكمت الصراع لعقود، ويصبح التصعيد المتبادل أكثر احتمالًا، بما يحمله ذلك من مخاطر على الأمن والاستقرار الإقليميين.
لهذا، يمكن قراءة خطاب المرشد الإيراني الجديد بوصفه إعلانًا عن تمسك الجمهورية الإسلامية بمنطق الردع أكثر منه إعلانًا عن حرب مفتوحة. فالرسالة الجوهرية فيه هي أن استهداف القيادة لن يغيّر هوية الدولة، ولن يدفعها إلى التخلي عن خياراتها الاستراتيجية، وأن الرد ــ أيًّا كان شكله ــ سيكون جزءًا من رؤية أشمل تهدف إلى إعادة تثبيت التوازن الذي ترى طهران أنه تعرض لاختبار غير مسبوق.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام لحظة فارقة. فإما أن تنجح القوى الفاعلة في إعادة بناء قواعد ردع تمنع الانزلاق إلى الفوضى الشاملة، وإما أن تدخل المنطقة مرحلة يصبح فيها استهداف القيادات السياسية مدخلًا دائمًا لتغيير موازين القوى. وفي مثل هذه اللحظات، لا تُقاس أهمية الخطابات بما تحمله من عبارات حادة، بل بما تعكسه من إرادة سياسية ورسائل استراتيجية، وبما تفتحه من احتمالات ستحدد شكل الإقليم في السنوات المقبلة.