بقلم علي خيرالله شريف
بكل هدوءٍ وسرور أجاب معالي الوزير وليد فياض على سؤال إحدى الصحافيات عن “موعد وصول الفيول”، فطَمأنها إلى أن الباخرة ستصل في 27 كانون الأول 2023، ولَمَّح إلى أن ذلك من حظ أصحاب الـمُوَلِّدات ليستفيدوا من انقطاع التيار الكهربائي. يا لتعاسة بلدٍ يرتاحُ وزيرُه لحسن حظِّ أصحاب الـمُوَلِّدات ولا يكترثُ لسوء حال المواطنين بسبب الـمُوَلِّدات وأصحابها والتَلَوُّثِ المنبعث منها.
قالها معاليه بكلِّ هدوء لأنه غير مستعجل للتخفيف عن الناس ظلاماً وصقيعاً وانقطاع مياه. وبكلِّ سرور لأنه من جهة لم يشعر بالبرد والعطش والعتمة، ومن جهة ثانية لأنه وزملاؤه من الوزراء والنواب والمسؤولين، لا ينقصهم شيء، فكلُّ النِعَمِ متوَفِّرة لهم والحمدلله، ولا يشعرون بسوء حالنا. ونحن لم نشتكِ لهم لأننا وصلنا إلى قناعة راسخة أن الشكوى لهم مذلة… لقد ذكَّروني بالإمام الخميني عندما كان في باريس وطلب إطفاء جهاز التدفئة في المنزل لكي يشعر بمعاناة الشعب الإيراني أثناء انقطاع المحروقات عنه أثناء الثورة.
التيار مقطوعٌ منذ أكثر من حوالي أسبوع من تاريخ المقال، ونحن نقترب من نهاية العام، عن مناطق واسعة من لبنان، خاصةً بعلبك الهرمل وعكار والجنوب والضاحية الجنوبية، وأغلب هذه المناطق تكتَظُّ بالفقراء ومُتَوَسِّطي الحال، وكأننا لا يكفينا التقنين لبعض ساعات في اليوم فقط. وعندما استفسرنا عن السبب، منهم من قال أن التيار سيبقى مقطوعاً لغاية بداية العام 2024 لأن الدولة حَوَّلته إلى الفنادق والبارات والمواقع السياحية خلال فترة الأعياد، ومنهم من علل الأمر لتوقف معمل دير عمار، وغير ذلك من التبريرات التي تعودنا عليها والتي تدل على السمسرات والاستهتار وسوء الإدارة. هذا دأبُ لبنان، تضيع المسؤوليات بين “حانا ومانا”، وتستخِفُّ حكوماته بمواطنيها، وتُمَيِّزُ بينهم حسب الطائفة والمنطقة والنفوذ والقدرة الشرائية. ثم يطلع علينا معالي وزير الطاقة مبتسماً مسروراً لِيُكَلِّمنا عن مهلة إضافية للقطع، غير عابئٍ بنا كيف نمضي أعيادنا وكيف نَقي أطفالنا العطش والعتمة والبرد القارس.
ما زلنا نفتقر إلى رجال دولة حقيقيين يعرفون أن حُسن إدارة الدولة هو في خدمة المواطن وليس في نهبِهِ وجلده وتعذيبه وتجويعه وإرهاقة بالضرائب. فرجل الدولة ليس بحضور جلسات الحكومة ولا بحجم موكبه وكثرة مرافقيه ولا بزجاجه الداكن، ولا بتصريحاته المنمقة وخطاباته الرنانة… إنما رجل الدولة هو الذي يحمل هَمَّ الشعب فلا يهدأ إذا ما اشتكى مواطنٌ واحدٌ على مساحة الوطن. فالوطن بلا شعب ليس سوى خرابة مهجورة، والدولة بلا شعب ليست سوى عصابة خارجة على القانون، والقانون إن لم يُنصِف الشعب ليس سوى سطور غير ذات جدوى ولا معنى. نحن لا نقصد وزير الطاقة فقط، بل نقصد كل مسؤول في دولتنا العَلِيَّة من رأسها إلى أخمص قدميها، التي قدمت لنا عيديتها بقطع الكهرباء عنا، والآتي أعظم.