| الإعلامي خضر رسلان |
لم تعد المواجهة مع إيران مجرد محاولة أميركية لإجبار طهران على تقديم تنازلات تحت ضغط العقوبات والتهديد العسكري. ما يتشكل اليوم يتجاوز حدود المواجهة المباشرة، ليصبح اختباراً لمعادلة أوسع تتعلق بمن يملك القدرة على فرض شروطه في المنطقة، ومن يستطيع تحويل أدوات الضغط عليه إلى عناصر قوة في مواجهته.
واشنطن تبدو وكأنها تحاول الجمع بين مسارين في الوقت نفسه: الضغط الاقتصادي من جهة، وفتح نافذة تفاوضية من جهة أخرى. لكن المشكلة أن طهران لا تبدو مستعدة للعودة إلى طاولة المفاوضات من دون شروط واضحة. وهذا يعني أن الوساطة لم تعد مجرد محاولة لإقناع إيران بالجلوس، بل أصبحت وسيلة لاختبار مدى استعداد الولايات المتحدة لتقديم أثمان سياسية مقابل العودة إلى المسار التفاوضي.
الأكثر أهمية أن العقوبات لم تعد تتحرك في بيئة دولية موحدة خلف واشنطن. الموقف الصيني من العقوبات الأميركية على إيران يحمل دلالة استراتيجية تتجاوز الجانب الاقتصادي. فبكين، بإعلانها عدم الاعتراف بهذه العقوبات واستمرار تعاونها مع طهران وفق القانون الدولي، تفتح عملياً مساحة أمام إيران للتنفس الاقتصادي، وتبعث في الوقت نفسه برسالة إلى العالم مفادها أن استخدام النظام المالي العالمي كسلاح سياسي لن يبقى من دون رد.
وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج سياسة الضغط الأقصى: كلما توسع استخدام الدولار في فرض الإرادة السياسية، ازدادت دوافع الدول المتضررة للبحث عن بدائل. وقد لا تظهر هذه البدائل دفعة واحدة، لكنها تتراكم مع الوقت، لتتحول من إجراءات استثنائية إلى بنية مالية وتجارية موازية. ومن هذه الزاوية، لا يعود السؤال متعلقاً بقدرة واشنطن على فرض العقوبات، بل بقدرتها على إبقاء العقوبات فعالة في عالم يتجه تدريجياً نحو تعدد مراكز القوة.
أما عسكرياً، فإن الصورة لا تبدو أكثر راحة بالنسبة إلى الولايات المتحدة وحلفائها. فالتقديرات الإيرانية التي تتحدث عن جولة مقبلة أشد من سابقاتها، مع احتمال مشاركة القوات البرية، تعكس أن طهران لا تتعامل مع احتمال التصعيد باعتباره كارثة ينبغي تفاديها بأي ثمن، بل باعتباره احتمالاً يجري الاستعداد له. وهذه نقطة مهمة في حسابات الردع: الطرف الذي يتهيأ للحرب لا يمكن التعامل معه باعتباره واقعاً تحت تأثير التهديد وحده.
وفي المقابل، فإن انخفاض التأييد الشعبي الأميركي للحرب على إيران يضيف عاملاً سياسياً إلى المعادلة العسكرية. فالحروب الطويلة لا تُقاس نتائجها بما يحدث في ساحات القتال فقط، وإنما أيضاً بقدرة الإدارة على المحافظة على الغطاء الشعبي والسياسي لاستمرارها. وكلما ارتفعت كلفة الحرب وتراجعت جدواها السياسية، ضاقت مساحة المناورة أمام القرار الأميركي.
في لبنان، تظهر تلة علي الطاهر بوصفها أكثر من مجرد نقطة جغرافية. الإصرار الإسرائيلي على الضغط بالنار، في مقابل استمرار المقاومة في تثبيت حضورها، يكشف أن المعركة تدور حول محاولة فرض واقع جديد في الجنوب. ولذلك فإن طرح تسليم المنطقة إلى الجيش اللبناني، مع صيغة لا تتيح لإسرائيل المطالبة باستعادتها، لا يمكن فصله عن الصراع على شكل السيطرة جنوباً وعلى طبيعة المرحلة المقبلة.
والمفارقة أن الحديث عن هذه المنطقة يأتي في ظل معطيات عن خسائر إسرائيلية في كمائن داخل المنطقة التي تحاول تثبيت نفوذها فيها، وهو ما يفسر اللجوء بصورة أكبر إلى سلاح الجو قبل أي تحرك بري. وهذا يعني أن المسألة ليست مجرد رغبة إسرائيلية في التقدم، بل محاولة للتقدم ضمن بيئة تفرض عليها كلفة عسكرية متزايدة.
ولا تنفصل الجبهة اللبنانية عن اليمن والساحة الخليجية. فالضغط على السعودية، واستمرار التوتر في البحر، والحركة الفرنسية المتزايدة في الملف اللبناني، كلها مؤشرات إلى أن ساحات المواجهة أصبحت مترابطة. أي تصعيد في جبهة يمكن أن ينعكس على الجبهات الأخرى، وأي تسوية في ملف قد تكون مرتبطة بتفاهمات في ملف آخر.
لهذا تبدو المنطقة أمام مرحلة مختلفة: لم تعد الولايات المتحدة قادرة بسهولة على إدارة كل جبهة بمعزل عن الأخرى، ولم تعد الأطراف المقابلة مضطرة إلى خوض المواجهة من موقع واحد أو بأداة واحدة. الاقتصاد أصبح جزءاً من المعركة، والمفاوضات جزءاً من الردع، والجغرافيا جزءاً من السياسة، والتحالفات الدولية باتت عاملاً مؤثراً في القدرة على الصمود.
المشهد برمته يوحي بأن معركة إيران ليست معركة دولة واحدة في مواجهة دولة عظمى فقط، بل جزء من انتقال أوسع في النظام الإقليمي والدولي. الصين تتحرك وفق حساباتها، إيران ترفض العودة إلى التفاوض من موقع الإملاء، المقاومة تثبت حضورها في الجنوب، واليمن يواصل الضغط على الخاصرة السعودية، فيما تجد واشنطن نفسها أمام شبكة من الحسابات المتداخلة.
لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تستطيع الولايات المتحدة الضغط على إيران؟
السؤال الأكثر أهمية هو: إلى أي حد تستطيع واشنطن استخدام الضغط من دون أن يتحول الضغط نفسه إلى عامل يدفع خصومها إلى مزيد من التماسك، ويعجل في ولادة ترتيبات اقتصادية وسياسية وأمنية أقل خضوعاً للقطب الأميركي؟
إذا استمر هذا المسار، فقد لا تكون النتيجة التي تسعى إليها واشنطن هي التي تصنعها أدواتها. وقد تكتشف، بعد وقت، أن محاولتها تطويق إيران لم تكن سوى واحدة من العوامل التي سرعت انتقال المنطقة والعالم إلى مرحلة جديدة من توازنات القوة.