من طهران إلى بيروت.. هل تقترب المنطقة من مواجهة ثالثة تعيد رسم موازين القوى؟
| فراس فرحات | كاتب وباحث سياسي
لم تعد التطورات المحيطة بإيران مجرّد تبادل للتهديدات أو رسائل سياسية متبادلة، بل باتت تعكس صراعاً على شكل النظام الأمني والسياسي الذي سيحكم المنطقة في المرحلة المقبلة. فطهران، التي تؤكد تسريع تطوير قدراتها العسكرية والاستعداد للرد من دون قيود جغرافية، تبدو متمسكة بإظهار أن أي مواجهة جديدة لن تكون نسخة عن المواجهات السابقة، وأن نطاق الرد قد يتجاوز حدود الجغرافيا الإيرانية ليشمل المصالح والقواعد والمنشآت المرتبطة بالخصوم.
في المقابل، لا يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتعامل مع خيار استئناف الحرب باعتباره قراراً متسرعاً، إذ تفرض الحسابات العسكرية والاقتصادية والسياسية مجموعة من الاعتبارات التي تجعل توقيت المواجهة وطبيعتها جزءاً من إدارة الصراع نفسه. فالمماطلة في اتخاذ القرار قد تكون مرتبطة بمحاولة استنفاد المسار الدبلوماسي، أو إعادة ترتيب الانتشار العسكري، أو انتظار ظروف أكثر ملاءمة، فضلاً عن حسابات أسواق الطاقة والتداعيات الدولية لأي تصعيد واسع.
في حال اندلاع مواجهة ثالثة مع إيران، فإن السؤال الأساسي لن يكون فقط حول حجم الضربات المتبادلة، بل حول طبيعة المعادلة العسكرية التي ستفرضها طهران. فالتطور في القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة، وتوسيع نطاق العمليات، وتعدد الجبهات المحتملة، كلها عناصر قد تجعل المواجهة أكثر تعقيداً من سابقاتها.
وتشير الرسائل الإيرانية، ولا سيما إعلان وزير الدفاع تسريع تحسين القدرات القتالية، إلى أن طهران تسعى إلى رفع مستوى الجاهزية وتعزيز القدرة على التعامل مع سيناريوهات متعددة، بما فيها استهداف مواقع بعيدة عن مسرح العمليات المباشر. وفي هذا السياق، قد لا يقتصر الرد على الضربات الصاروخية، بل يمكن أن يتخذ أشكالاً متدرجة تشمل الضغط على المصالح العسكرية والاقتصادية، وتفعيل أدوات الردع الإقليمية، ورفع كلفة استمرار الحرب.
لكن طبيعة الرد وحجمه سيبقيان مرتبطين بمستوى الهجوم وأهدافه، وبمدى اتساع المشاركة الأميركية والإسرائيلية فيه، فضلاً عن حسابات القيادة الإيرانية المتعلقة بمنع تحول المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة.
على خط موازٍ، يبرز مضيق هرمز باعتباره إحدى أهم أوراق القوة الإيرانية في أي مواجهة محتملة. فالحديث عن اعتماد الحرس الثوري تكتيكات بحرية جديدة لتقييد حركة الملاحة وناقلات النفط يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة من إدارة الاشتباك، حيث لا تقتصر المواجهة على استهداف المواقع العسكرية، بل تمتد إلى التأثير في حركة التجارة والطاقة العالمية.
وتكمن أهمية هذا التكتيك في أن تعطيل الملاحة، أو رفع مستوى المخاطر أمام السفن، قد ينعكس مباشرة على أسعار النفط والتأمين البحري وسلاسل الإمداد، ويضع المجتمع الدولي أمام ضغوط اقتصادية متزايدة.
ومن هنا، فإن ورقة هرمز لا تُقرأ فقط باعتبارها خياراً عسكرياً، بل باعتبارها أداة ضغط استراتيجية قادرة على توسيع دائرة المتضررين من الحرب، ودفع أطراف دولية إلى التدخل لمنع انفلات المواجهة.. إلا أن استخدامها على نطاق واسع ينطوي أيضاً على مخاطر اقتصادية وسياسية قد تطال إيران نفسها، ما يجعل طبيعة توظيفها مرتبطة بحسابات دقيقة بين الردع والتصعيد.
وسط هذه الأجواء، تكتسب استضافة الدوحة وفداً إيرانياً لبحث مختلف الملفات أهمية خاصة، ولا سيما أن قطر تتمسك بمسار خفض التصعيد وتعمل على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة بين الأطراف المعنية.
فالتحرك القطري لا ينفصل عن إدراك دول المنطقة أن أي حرب جديدة لن تبقى محصورة بين إيران وإسرائيل، بل ستترك تداعيات واسعة على أمن الخليج والطاقة والممرات البحرية والاستقرار الإقليمي.
وقد تتيح هذه اللقاءات اختبار فرص التفاهم حول الملفات العالقة، وفتح قنوات غير مباشرة لنقل الرسائل، وتحديد حدود التصعيد الممكن. غير أن نجاح المسار الدبلوماسي سيبقى مرتبطاً بمدى استعداد الأطراف لتقديم ضمانات متبادلة، خصوصاً أن استمرار التهديدات العسكرية يجعل هامش التفاهم ضيقاً.
في موازاة ذلك، يثير الموقف الإيراني الرافض للتفاوض بشأن الملف النووي تحت أي ظرف تساؤلات حول طبيعة الرد الأميركي، خصوصاً أن واشنطن تعتبر الملف النووي أحد العناوين الرئيسية في سياستها تجاه طهران.
لكن رفض التفاوض لا يعني بالضرورة إغلاق جميع قنوات التواصل، بقدر ما قد يعكس محاولة إيرانية لفصل المسار النووي عن الضغوط العسكرية، ورفض الدخول في مفاوضات تجري تحت التهديد أو الإكراه.
ومن الناحية الأميركية، قد تتراوح الخيارات بين تشديد العقوبات والضغوط الاقتصادية، وتكثيف التحركات الدبلوماسية، والإبقاء على التهديد العسكري، وصولاً إلى خيارات أكثر تصعيداً. إلا أن الانتقال من الضغط إلى المواجهة المباشرة سيبقى محكوماً بحسابات الكلفة والنتائج، خصوصاً في ظل مخاطر توسع الحرب وتأثيراتها على الاقتصاد العالمي وحلفاء واشنطن في المنطقة.
اما الأخطر بالنسبة إلى لبنان ما نقلته صحيفة «معاريف» الإسرائيلية عن مصادر تحدثت عن إعداد الجيش الإسرائيلي خطة للتعامل مع لبنان في حال تحرك حزب الله لمساندة إيران إذا تجددت الحرب بين طهران وتل أبيب.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، تتضمن الخطة السيطرة على مدن صور وصيدا والنبطية، وفرض حصار بحري على مرفأي بيروت وطرابلس، إلى جانب تنفيذ عمليات إضافية في عمق الأراضي اللبنانية.
وتكشف هذه المعطيات، إذا صحت تفاصيلها، عن أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تضع احتمال انتقال المواجهة إلى لبنان ضمن حساباتها، وأنها لا تستبعد توسيع نطاق العمليات بما يتجاوز المناطق الحدودية.
غير أن الحديث عن الخطط العسكرية لا يعني بالضرورة أن تنفيذها بات قراراً محسوماً، إذ إن أي توغل بري واسع أو حصار للمرافئ اللبنانية سيضع المنطقة أمام تداعيات عسكرية وإنسانية واقتصادية كبيرة، فضلاً عن احتمال اتساع المواجهة وتعدد أطرافها.
وهنا يبرز السؤال حول ما إذا كانت إسرائيل تسعى إلى استباق أي تحرك محتمل لحزب الله، أم أنها تستخدم تسريب هذه الخطط في إطار الحرب النفسية والضغط السياسي والعسكري على لبنان.
في ظل هذه التطورات، يجد لبنان نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد؛ فالمسار الأميركي–الإيراني قد ينعكس بصورة مباشرة على حسابات حزب الله، ولا سيما في ما يتعلق بطبيعة الرد على أي استهداف واسع لإيران، وحدود الانخراط في مواجهة إقليمية جديدة.
ومن هنا، فإن لبنان يعيش مرحلة انتظار دقيقة، لا تتعلق فقط بما ستؤول إليه المفاوضات بين واشنطن وطهران، بل أيضاً بما ستفرضه نتائج هذه المفاوضات على توازنات المنطقة، وعلى قواعد الاشتباك القائمة على الجبهة الجنوبية.
وفي الوقت الذي تسعى فيه أطراف إقليمية إلى تثبيت مواقعها في أي تسوية مقبلة، يبقى لبنان معنياً مباشرة بأي إعادة رسم لموازين القوى، سواء جاءت عبر التفاوض أو المواجهة.
إن المرحلة المقبلة لن تحدد فقط شكل العلاقة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، بل قد ترسم أيضاً طبيعة المرحلة اللبنانية المقبلة، وحدود الاستقرار في الجنوب، وموقع المقاومة والدولة في أي ترتيبات أمنية وسياسية جديدة.
فالمنطقة تقف أمام مفترق طرق بين تسوية لم تتضح شروطها بعد، ومواجهة عسكرية لا يمكن ضمان بقاء حدودها تحت السيطرة. وفي قلب هذه المعادلة، تبدو إيران متمسكة بأوراق قوتها، فيما تحاول واشنطن إدارة خياراتها بين الضغط والتفاوض، وتراقب إسرائيل فرص إعادة صياغة الواقع الأمني.. أما لبنان، فيبقى الأكثر تأثراً بنتائج هذا الاشتباك، حيث قد لا يكون السؤال فقط متى تندلع الحرب، بل أي معادلة سياسية وعسكرية ستولد من رحمها.