| أبو الفضل عباس |
تتداخل في الأزمات الكبرى أدوات الحرب النفسية مع الخطط الميدانية الواقعية، حيث يسعى الإعلام العسكري غالباً إلى تضخيم الإنجازات الجزئية لتحقيق مكاسب معنوية وسياسية.
وإذا ما تم تفكيك المظاهر الإعلامية الأخيرة والأحداث الجارية على الأرض، تتضح معالم الاستراتيجية الفعلية للعدو، والتي تختلف تماماً عن الشعارات الضخمة المرفوعة.
*أولاً: حجم الإنجاز الميداني وقراءته العسكرية*
بعيداً عن التضخيم الإعلامي، تشير المعطيات الميدانية إلى أن الموقع الذي تم الإعلان عن السيطرة عليه ليس سوى منشأة تكتيكية ثانوية كانت قد أُخليت سابقاً في إطار إعادة التموضع.
إن إستغراق أشهر من القصف والمحاصرة للسيطرة على نقطة جغرافيّة محدّدة يعكس حجم الصعوبات الميدانية، ويؤكد أن السيطرة على موقع لا تعني حسم المعركة، تماماً كما أن الانتشار في قطاع غزة لم يُنهِ المواجهة هناك.
*ثانياً: الأبعاد النفسية والرسائل السياسية*
يأتي توقيت الإعلان الذي تم عرضه بوسائل الإعلام المختلفة ليخدم غايات متعددة في آن واحد:
– تسويق مكاسب داخلية: تقديم صورة إنقاذية للجمهور الداخلي وللمؤسسة السياسية قبيل الاستحقاقات الانتخابية.
– محاولة الفصل الإقليمي: إرسال رسائل استراتيجية تهدف إلى قطع الرابط بين الجبهة المحلية والملفات الإقليمية المشتعلة، وتحديداً حركة الملاحة في الممرات البحرية كضغوط مضادة.
*ثالثاً: المعالم الحقيقية للخريطة الميدانية*
إن الهدف الفعلي للقوات الإسرائيلية المهاجمة لا يستهدف التمدد نحو العمق أو الوصول إلى مراكز القرار السياسية، بل يركز الى
– هندسة جغرافية محددة:
السيطرة على المرتفعات: وصل النقاط الحاكمة ببعضها (مثل محور الريحان والجرمق وصولاً إلى مرتفعات حرمون).
– إنشاء شريط أمني:
إعادة إحياء مفهوم “المنطقة العازلة” بهدف تأمين الشريط الحدودي وفرض سيطرة نارية على المحيط.
*رابعاً: التهويل بالعمق مقابل الواقع الميداني*
تُظهر التهديدات باختراق العمق أو التوجه نحو العاصمة بيروت فارقاً شاسعاً بين الخطاب التعبوي والقدرة الميدانية الفعلية.
إن عجز القوات الإسرائيلية عن تحقيق تقدم سريع وسلس في القرى الأوفر حظاً دفاعياً جنوب النهر والملاصقة له شمالاً يجعل من فكرة التمدد إلى مناطق واسعة مجرد إستعراض إعلامي يهدف إلى إحداث صدمة معنوية لدى الحاضنة الشعبية.
*خامساً: الأدوات المستخدمة والسياق الزمني*
لتحقيق هذا الحزام الأمني، تُعتمد سياسة التدمير الممنهج للبنى التحتية والأحياء السكنية والضغط على القطاعات الصحية والإغاثية لدفع السكان إلى النزوح، مما يجعل المنطقة الشبه خالية غير صالحة للسكن.
ويتزامن هذا التصعيد مع ظروف دولية وإقليمية ضاغطة، أبرزها ارتفاع أسعار الطاقة واحتدام الصراع المالي والعسكري في الممرات المائية الحيوية، حيث يُستغل الانشغال الدولي لتثبيت واقع ميداني جديد.
تعتمد المحاولات الجارية على تثبيت وقائع جغرافية محددة تحت غطاء من التهويل الإعلامي.
غير أن التقديرات الميدانية تشير إلى أن تحقيق هذه الأهداف يواجه عقبات عملية كبيرة، تبدأ من صمود النقاط الدفاعية وتصل إلى التعقيدات السياسية والاقتصادية للطرف المهاجم.
*وإن فهم حدود القدرة الفعلية للعدو يُعدّ الخطوة الأولى في إحباط أهدافه الميدانية والنفسية على حد سواء.*
*الحمد لل*
*أبو الفضل عباس*
*07.09.2026*