التحرير الثالث يبدأ من ذاكرة 25 أيار

| الإعلامي خضر رسلان |

في الخامس والعشرين من أيار لا يستعيد اللبنانيون مجرد تاريخ اندحار جيش الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان، بل يستعيدون لحظة تحوّل كبرى في تاريخ الصراع مع العدو، يوم سقطت مقولة “الجيش الذي لا يُقهر”، وانكسر مشروع الاحتلال أمام إرادة شعب آمن بأرضه وحقه وكرامته. لم يكن التحرير حدثاً عابراً في سياق المنطقة، بل كان ولادة مرحلة جديدة أثبتت أنّ المقاومة قادرة على فرض المعادلات حين تعجز السياسة الدولية عن إنصاف الشعوب.
ثمانية عشر عاماً من الاحتلال لم تكن مجرد وجود عسكري على أرض الجنوب، بل كانت محاولة دائمة لإخضاع لبنان وتحويله إلى ساحة ملحقة بالمشروع الإسرائيلي. منذ اجتياح عام 1982، راهن العدو على أن الزمن كفيل بكسر إرادة الناس، وأن القرى المدمرة والتهجير والاعتقالات ستدفع اللبنانيين إلى الاستسلام والقبول بالأمر الواقع. لكن ما حصل كان العكس تماماً؛ فقد تحوّلت المعاناة إلى وعي مقاوم، وتحولت القرى الحدودية إلى خزّان للصمود والتضحية.
التحرير لم يولد فجأة، بل كان حصيلة تراكم طويل من الدماء والتضحيات والقيادات التي حملت مشروع المقاومة منذ البدايات. من الإمام موسى الصدر الذي أسّس لثقافة المواجهة ورفض الاستسلام، إلى القادة الشهداء الذين رسموا بدمائهم طريق التحرير، وصولاً إلى آلاف المقاومين الذين واجهوا الاحتلال بإمكانات متواضعة لكن بإيمان لا يتزعزع. تلك التجربة أثبتت أنّ الشعوب حين تمتلك قضية عادلة تصبح قادرة على قلب الموازين مهما اختلّ ميزان القوة العسكرية.
ما أعطى تحرير عام 2000 رمزيته الاستثنائية أنّه تحقق بلا مفاوضات مباشرة ولا اتفاقات إذعان. خرج الاحتلال تحت ضغط العمليات والمواجهة اليومية، بعدما اكتشف أنّ كلفة البقاء أعلى من قدرة احتماله. ولهذا بقي ذلك الانتصار مختلفاً في الوعي العربي والإسلامي، لأنه أعاد الثقة بإمكانية هزيمة الاحتلال، وأثبت أنّ المقاومة ليست شعاراً عاطفياً بل مشروعاً عملياً قادراً على تحقيق النتائج.
اليوم، وبعد مرور سنوات على التحرير، يعود لبنان ليواجه التحديات نفسها بأشكال مختلفة. فالعدوان الإسرائيلي لم يتوقف، والأطماع لم تتبدل، والضغوط السياسية والأمنية والاقتصادية تتواصل بهدف دفع لبنان إلى التخلي عن عناصر قوته. لكن التجربة التاريخية نفسها تقول إنّ العدو الذي فشل في فرض شروطه بالحرب والاحتلال لن ينجح في فرضها بالحصار والضغط السياسي.
ما يجري في الجنوب اليوم يؤكد أنّ معادلة المقاومة ما زالت حاضرة. فالمواجهات المستمرة والعمليات اليومية تكشف أنّ الاحتلال، رغم ما يملكه من إمكانات عسكرية وتقنية، عاجز عن فرض أمن دائم أو تثبيت استقرار حقيقي في شمال فلسطين المحتلة. وفي المقابل، يدفع المدنيون اللبنانيون أثماناً باهظة من دمائهم وبيوتهم وأرزاقهم، في مشهد يعيد التذكير بطبيعة هذا العدو الذي يلجأ دائماً إلى استهداف الناس حين يعجز عن كسر إرادتهم.
ذكرى التحرير ليست مناسبة للاحتفال العاطفي فقط، بل فرصة لإعادة قراءة التجربة واستخلاص دروسها. أول هذه الدروس أنّ قوة لبنان الحقيقية لم تكن يوماً في الرهان على الخارج، بل في وحدة شعبه وتمسكه بحقه. وثانيها أنّ المقاومة لم تكن مشروع فئة معزولة، بل حالة وطنية واسعة احتضنتها بيئة شعبية دفعت أثماناً هائلة دفاعاً عن الأرض والسيادة. أما الدرس الثالث فهو أنّ الاحتلال لا يفهم إلا لغة القوة والصمود، وأن أي تراجع أمام الضغوط لا يؤدي إلا إلى مزيد من الابتزاز.
في الخامس والعشرين من أيار يتذكر اللبنانيون القرى التي عادت إلى أهلها، والأسرى الذين خرجوا من المعتقلات، والأمهات اللواتي انتظرن أبناءهن سنوات طويلة. يتذكرون كيف تحوّل الخوف إلى أمل، وكيف استطاعت إرادة الناس أن تفرض على الاحتلال الرحيل من دون قيد أو شرط. ولذلك بقي هذا التاريخ محفوراً في الذاكرة الوطنية باعتباره يوماً لاستعادة الكرامة قبل الأرض.
ورغم كل الأزمات التي يعيشها لبنان اليوم، تبقى تجربة التحرير دليلاً على أنّ هذا البلد الصغير قادر على صناعة التحولات الكبرى حين تتوفر الإرادة. فالتحرير لم يكن معجزة، بل نتيجة صبر طويل وتضحيات متراكمة وإيمان بأن الحق لا يسقط مهما طال الزمن. ومن هنا، فإنّ “التحرير الثالث” الذي يتحدث عنه كثيرون لا يبدأ من السلاح وحده، بل يبدأ أولاً من ذاكرة 25 أيار؛ من تلك اللحظة التي آمن فيها اللبنانيون أنّ الاحتلال يمكن أن يُهزم، وأن الإرادة الصلبة قادرة على صناعة المستقبل مهما اشتدت التحديات.