| رندلى جبور |
هناك أنواع نادرة من التشييع لا تقتصر على الحزن والبكاء ووجع الفراق، بل تترك مفاعيل استراتيجية، وتشييع السيد علي الخامنئي واحد منها.
صحيح أن ألم الفقدان، والخوف من غياب شخصية ذات حضور وازن، كانا حاضرين بقوة، وصحيح أن الولاء والمحبة هما ما دفعا الناس إلى المشاركة، إلا أن هؤلاء أنفسهم حوّلوا التشييع إلى حدث ذي مفاعيل استراتيجية.
حوّل ملايين المشيّعين لحظة الموت إلى نبض جديد للحياة.
بدا التشييع وكأنه استفتاء على نظام يريد الأميركيون و”الإسرائيليون” إنهاءه، فجاءت إجابة الجمهور واضحة: نحن متمسكون بنظام الخامنئي، وبالولاية التي انتقلت إلى المجتبى.
هتفوا أمام العالم بأنهم لن يبكوا طويلاً، بل سيثأرون.
ملأوا الشوارع والساحات ليؤكدوا أنهم مستمرون في النهج نفسه، وأن أميركا و”إسرائيل” لا تستهدفان شخصاً رحل، بل أكثر من ثلاثين مليون إنسان، بينهم كثيرون من خارج إيران.
وأكدوا أنهم لا يخافون الصواريخ والاعتداءات والمخاطر، وأن كل ما جرى ويجري لن يغيّر قناعاتهم.
وجدّدوا انتماءهم إلى خيارهم الذي لا تزعزعه الحروب، ولا يفسده الرحيل.
وكتبوا فصلاً جديداً في روايتهم الثورية، ونقضوا السرديات المعادية.
وباجتماعهم، منعوا اللعب على وتر الانقسام الداخلي، وحرموا الأعداء من التلذذ بما ارتكبوه.
بكى الإيرانيون، لكنهم واصلوا السير في الدرب نفسها، بل انضم إليهم من لم يكن عليها، أولئك الذين اكتشفوا، في لحظة الفقد، قيمة من رحل وما مثّله.
المعارضون كثر، لكنهم معارضون لا عملاء.
أما الموالون، فهم أكثر عدداً، وقد اتسعت دائرتهم في توقيت أُريد فيه لجمهورهم أن يتشرذم.
إن مفعول تشييع الإمام القائد استراتيجي، ولا بد أن يتوقف الأميركيون و”الإسرائيليون” أمام هذا المشهد.
وربما لهذا السبب تراجع دونالد ترامب عن الاتفاق؛ إذ ظن أن المواجهة انتهت برحيل رجل، فإذا بها تبدأ من جديد.
لقد شكّلت أيام التشييع محطة فارقة في المشهد الاستراتيجي العام، وكتبت بالدموع بداية جديدة لنظام أراده خصومه منتهياً.
وأثبت الإيرانيون والعراقيون واللبنانيون واليمنيون، وغيرهم ممن شاركوا في التشييع، أن التسليم ليس وارداً، وأنهم هم من يكتب القصة، ولن يسمحوا لأحد بأن يكتبها عنهم.
لقد وُلدت من الموت حياة…
ولقد وُلدوا من الموت أحياء.