ادى نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى العلامة الشيخ علي الخطيب الصلاة في مقر المجلس طريق المطار والقى خطبة الجمعة التي قال فيها: بسم الله الرحمن الرحيم،
الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا ومولانا ابي القاسم محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين واصحابه المنتجبين، وعلى من تبعهم بإحسان الى يوم الدين.
اللّٰهُمَّ إِنِّي أَفْتَتِحُ الثَّناءَ بِحَمْدِكَ وَأَنْتَ مُسَدِّدٌ لِلصَّوابِ بِمَنِّكَ ، وَأَيْقَنْتُ أَنَّكَ أَنْتَ (۱) أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فِي مَوْضِعِ الْعَفْوِ وَالرَّحْمَةِ ، وَأَشَدُّ الْمُعاقِبِينَ فِي مَوْضِعِ النِّكالِ وَالنَّقِمَةِ ، وَأَعْظَمُ الْمُتَجَبِّرِينَ فِي مَوْضِعِ الْكِبْرِياءِ وَالْعَظَمَةِ. اللّٰهُمَّ أَذِنْتَ لِي فِي دُعائِكَ وَمَسْأَلَتِكَ ، فأَسْمَعْ يَا سَمِيعُ مِدْحَتِي ، وَأَجِبْ يَا رَحِيمُ دَعْوَتِي ، وَأَقِلْ يَا غَفُورُ عَثْرَتِي ، فَكَمْ يَا إِلٰهِي مِنْ كُرْبَةٍ قَدْ فَرَّجْتَها ، وَهُمُومٍ (۲) قَدْ كَشَفْتَها ، وَعَثْرَةٍ قَدْ أَقَلْتَها ، وَرَحْمَةٍ قَدْ نَشَرْتَها ، وَحَلْقَةِ بَلاءٍ قَدْ فَكَكْتَها ؟
الْحَمْدُ لِلّٰهِ خالِقِ الْخَلْقِ ، باسِطِ الرِّزْقِ ، فالِقِ الْإِصْباحِ ، ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ وَالْفَضْلِ وَالْإِنْعامِ (۱۰) ، الَّذِي بَعُدَ فَلا يُرىٰ ، وَقَرُبَ فَشَهِدَ النَّجْوىٰ ، تَبارَكَ وَتَعالىٰ ، الْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مُنازِعٌ يُعادِلُهُ ، وَلَاٰ شَبِيهٌ يُشاكِلُهُ ، وَلَاٰ ظَهِيرٌ يُعاضِدُهُ ، قَهَرَ بِعِزَّتِهِ الْأَعِزَّاءَ ، وَتَواضَعَ لِعَظَمَتِهِ الْعُظَماءُ ، فَبَلَغَ بِقُدْرَتِهِ مَا يَشاءُ.
ايها الاخوة،
هذا مقطع من مقاطع “دعاء الافتتاح” تعرفونه جيدا، وقد رواه عثمان بن سعيد العمري ،أبو عمر عثمان بن سعيد العمري الأسدي ، أول السفراء الخاصين للإمام محمد بن الحسن المهدي، عج.
وورد الحثُ على قراءته في كل ليلة من ليالي شهر رمضان لأهمية مضامينه التربوية والثقافية والروحية، في صقل الشخصية الاسلامية وربطها بهذا الاسلوب الرائع، اسلوب الدعاء، وهو من اشد الاساليب تأثيرا، والذي ركز عليه اهل البيت ع، لما فيه من ربط مباشر للانسان بخالقه وتركيز لعقائده، تعصمه عن التأثر بما تفرزه التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية من هموم ومشكلات تشغله، وربما تتسبب بانحرافه العقائدي والاخلاقي والقيمي والتفتيش عن الحلول من طرق غير واقعية وغير سليمة وموهومة، يروج لها اصحاب الأهواء المنحرفة والمصالح الذاتية، من تيارات فكرية معادية، خلقتها قوى وانظمة ترى في هذه العقائد والقيم موانع تصدها عن بلوغ أهدافها.
فالدعاء في حد ذاته يحقق غرضين مهمين: اولهما خلق الشخصية الصالحة في حد ذاتها أولا، والفاعلة والمتفاعلة إيجابيا ثانيا في محيطها الانساني والبشري، والمنسجم مع النظام الكوني. فالانسان يعيش في هذا الكون محكوما بالقوانين والأسباب، ولا يعيش بمعزل عنها، وتسير بالحياة الى غايتها، وهي خدمة الانسان خليفة الله في ارضه، ولذلك فلا بد ان ان يكون للإجتماع الإنساني قوانينه التي تخدم الغاية من وجوده.
ويشكل شهر رمضان واجواؤه الروحية، ارضية مناسبة ومهمة تعطي للدعاء الفاعلية القصوى لتحقيق الغايات التي تحدثنا عنها، بأوسع مدى واعمق اثرا.
وحيث اننا اليوم على مشارف نهاية هذا الشهر الشريف والكريم، نتذكر كلام الله سبحانه وتعالى الذي اوضح الغاية من القيام بهذا الواجب، وهو فريضة الصيام وبلوغ مرتبة التقوى، فقال عز وجل
(يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون )
وهي تقوى الفرد وتقوى المجتمع التي تعني قيام الفرد بما يتوجب عليه نحو نفسه من صلاحها الذاتي وصلاحها الاجتماعي، بأن يكون الفرد عنصرا فاعلا ومفيدا في محيطه الاجتماعي والإنساني، وان يكون المجتمع مجتمعا قائما على الخير والصلاح، وقد احرز لنفسه عوامل المناعة من أن ينال منه أو تخترقه عواملُ الفساد العقائدي والثقافي والاجتماعي والاخلاقي والسياسي، وعواملُ الفتنة والتفرقة والظلم والعدوان والعصبيات على انواعها الطائفية والمذهبية والطبقية.
فالصوم مثلُه مثلُ اي فرض في الإسلام، له هذه الوظيفة وليست طقوسا او فلوكلورا للتمايز والتباهي بين العائلات والاديان والطوائف والمذاهب والطبقات الاجتماعية والأشخاص، وانما لصناعة الإنسان الصالح الذي يكون المعيارُ فيه التواضعَ للناس والاخلاصَ لله تعالى. واذا كان مايقوم به الفرد او المجتمع بعيدا عن ذلك، فكل عباداته هي لنفسه وليست لله.. هي لشيطانه الداخلي الذي هو نفسه. فهو يعبد الشيطانَ وإن تمظهر بفرائض الاسلام او الدين، مطلقِ دين من الاديان السماوية، مسلما كان ام مسيحيا أو يهوديا. واولُ الطريق لتحقق العباداتُ اهدافَها، هو معرفةُ الأهداف. ولذلك ورد في الحديث عن رسول الله ص:
( كم من قارئ للقرآن.. والقرآن يلعنه )
وقول الله تعالى في الصلاة:
(إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر )
وقوله صلى الله عليه وسلم:
( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه.)
وهذا هو الشقاء بعينه الذي اشار اليه رسول الله ص بقوله في هذا النوع من التمظهر بالصيام ( الشقي من حُرِم غفران الله في هذا الشهر ) لأنه صيام بلا تقوى لقوله تعالى:
( انما يتقبل الله من المتقين )
وقد طبّق رسولُ الله ذلك على امرأة اغتابت جارتها بأن دعا لها بطعام.
فعن ابي عبدالله الصادق ع انه قال : ان أبي عليه السلام قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وآله امرأة تساب جارية لها وهي صائمة، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله بطعام فقال لها: كلي! فقالت: أنا صائمة يا رسول الله!
فقال: كيف تكونين صائمة وقد سببت جاريتك؟ إن الصوم ليس من الطعام والشراب وإنما جعل الله ذلك حجابا عن سواهما من الفواحش من الفعل والقول يفطر الصائم. )
فما لم يؤد الصيام وظيفته من ردعه الصائم عن الفواحش من القول والفعل، فهو ليس بصيام، وهو ما عبر عنه الإمام الصادق ع في كلام آخر:
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا أصبحت صائما فليصم سمعك وبصرك من الحرام، وجارحتك وجميع أعضائك )
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا أصبحت صائما فليصم سمعك وبصرك من الحرام، وجارحتك وجميع أعضائك.
ولهذا يمكننا ان نستغل هذه البقية من ايام شهر رمضان لنتدارك بها ما فاتنا في ما مضى منه.
ففي الدعاء ( اللهم أدِّ عنا من شهر رمضان واغفر لنا تقصيرنا فيه وتسلّمَه منا مقبولا ،ولا تؤاخذنا باسرافنا على انفسنا، واجعلنا من المرحومين ولا تجعلنا من المحرومين )
وفي دعاء اخر مروي عن الامام الصادق ع :
اللهم وهذه ايام شهر رمضان وقد انقضت، ولياليه قد تصرمت، وقد صرت يا الهي الى ما انت اعلم به مني واحصى لعدده من الخلق اجمعين، واعوذ بجلال وجهك الكريم وبجلالك العظيمين أن تنقضي عني ايام شهر رمضان ولياليه، ولك قبلي تبعة أو ذنب تؤاخذني به او خطيئة تريد أن تقتصها مني لم تغفرها لي، يا لا اله الا انت إن كنت رضيت عني في هذا الشهر، فازدد عني رضا، وان لم تكن رضيت عني يا ارحم الراحمين، فمن الان فارض عني )
فالصيام تعبير عن التزام الانسان المسلم اتجاه نفسه ومجتمعه.
يقول امير المؤمنين علي ع :
(الله الله في اعز الانفس عليكم واحبها اليكم )
اي في القريب والرحم الجار والمواطن والمجتمع والامة كلها. وفي هذه الظروف بالذات بعد العدوان الغربي الوحشي على يد الغدر الصهيوني، التزام اتجاه الشهداء وعوائلهم وايتامهم، اتجاه التضامن والوحدة في مواجهة الحرب التي ما زالت مستمرة على اهلنا وقرانا بالحصار المفروض، ومنع اعادة الاعمار والضغط السياسي لفرض التطبيع.. هذه كلها تفرض التزامات وطنية لمواجهتها ومنع العدو من تحقيق اغراضه. فلا يجوز التعاطي مع الاسرائيلي وداعميه على اساس اننا مهزومون، وان نفرط بحقوقنا السيادية ونستسلم لارادة العدو ونعطيه ما لم يستطع تحقيقه في الميدان.
نحن جرحنا وسقط لنا قادة وشهداء ودُمرت قرانا، ولكن هذا لا يعني اننا هُزمنا .هذه مقاييس يقبل بها المهزومون الجبناء من الاساس الذين تعاملوا مع العدو منذ زمن بعيد بروحية الاستسلام، وليس حالة جديدة ،وما هكذا تتصرف الامم امام الغزاة والعدوان، وانما بإعادة الحسابات وترميم الصفوف لجولة اخرى مع العدو الذي لا يتعاطى معنا على اساس انه المنتصر واننا المهزومون، بل على العكس من ذلك وان تصرفاته تدل على خوفه ومآزقه الداخلية والخارجية وحسابات المستقبل القادم ..هذا على اساس الحسابات المادية، اما على مستوى الحسابات العقائدية فالنصر لنا وعد الهي محتوم ، والهزيمة مكتوبة بين عينيه وان اظهر عتوّا وصلفا، وان يوم القدس الذي اعلنه الامام الخميني قدس في آخر يوم جمعة من شهر رمضان لم يكن عبثا، وانما ايمان بالوعد الالهي المحتوم ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7)
تحية للامام الخميني الراحل وللجمهورية الاسلامية قيادة وشعبا الذين لم يخذلوا لبنان وفلسطين ويدفعون ثمن التزامهم بنصرة القدس والأمة، تلبية للنداء الالهي وللامام موسى الصدر الذي خاطب ابا عماربالقول: اعلم يا ابا عمار ان شرف القدس يأبى ان يتحرر الا على ايدي المؤمنين.
وتحية الى شهداء فلسطين والى شهداء لبنان والمقاومة، قادة ومقاومين ،استشهدوا ليبقى يوم القدس حيا في قلوب وعقول شعبنا وامتنا، وسلاما لاهلنا الصابرين المرابطين الواقفين كالجبال الشم، لم ولن تزعزعهم العواصف او تثني عزمهم الجراحات. طبتم وطاب جبل عامل الأشم، وغزة الأبية الصابرة، والضفة وكل فلسطين، والرحمة للشهداء والشفاء للمرضى والعزاء لأهل الشهداء، والتحية لكل شعوبنا التي وقفت وما زالت تلتزم نصرة فلسطين وقضيتها العادلة والمحقة .
أيها الأخوة
إن ما تشهده الساحة اللبنانية من صلف إسرائيلي في ظل الإعتداءات المتواصلة من دون رادع ،لا يبشر بالخير والإستقرار ، وأخشى ما نخشاه أن يؤدي ذلك إلى إنفجار داخلي نتيجة تماهي بعض القوى السياسية مع العدوان الصهيوني ،وفي ظل عجز السلطة عن لجم هذا العدوان،في وقت يعتمل الغضب والإحتقان في نفوس شريحة واسعة من اللبنانيين الذين يشعرون بالعزلة والتخلي عنهم .
لقد قلنا ونكرر إننا نضع ثقتنا ورهاننا على الدولة اللبنانية العادلة لتحقيق الضمانات لكل اللبنانيين ،كمدخل إلى الأمن والإستقرار،لكننا ،حتى الآن لا نرى ما يطمئن في هذا المجال أبعد من التمنيات ،فيما يوغل العدو المحتل قتلا وتدميرا واغتيالا في فئة بعينها للضغط على لبنان كله من أجل الرضوخ لأهداف العدو ومن خلفه الراعي الأميركي،للدخول في مفاوضات مباشرة للتطبيع مع الكيان الغاصب.
وإننا إذ ننوه بموقف العهد والحكومة لجهة رفض التطبيع ،ونثمن المواقف الأخيرة لرئيس الجمهورية، فإن ثمة من يدفع الثمن يوميا من دمه وممتلكاته ومصيره ،بينما يذهب البعض إلى تشجيع العدو بصورة سافرة للمضي في هذا التوجه ومن دون خجل ،وينظر إلى الأمور بعين واحدة ،وفي وقت أخذت تنشأ كيانات سياسية جديدة تنادي بالتقسيم والفدرلة وغير ذلك من إشارات التباعد بين الشرائح اللبنانية.
لذلك فإننا نرفع الصوت عاليا ،محذرين من هذه السياسات التي قد تعيد البلد إلى مستنقع الحروب الأهلية والإنفجارات ،ونرى أن الأولوية الأولى في هذه المرحلة هي لانسحاب الاحتلال الإسرائيلي من كامل الأراضي اللبنانية وتأمين الأجواء الملائمة لعودة أهالي الجنوب إلى أرضهم وبلداتهم آمنين مطمئنين والبدء بإعمار ما تهدم ،وبعد ذلك يُفتح باب الحوار الداخلي لمعالجة القضايا المطروحة.