عون: لا مفاوضات بالوكالة

في وقت تتقاطع فيه الضغوط الأمنية مع الاستحقاقات السياسية والاقتصادية، رسم رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون خلال سلسلة مواقف متتالية، ملامح المرحلة التي يسعى إلى تكريسها، واضعاً عنواناً واضحاً للحكم، يتمثل في استعادة الدولة لدورها على المستويات السيادية والأمنية والإدارية. وتكتسب هذه المواقف أهمية خاصة، لأنّها جاءت بالتزامن مع الحديث عن مفاوضات إقليمية ودولية تتصل بلبنان، ومع استمرار تداعيات الحرب الإسرائيلية على الجنوب.

أبرز ما حملته مواقف عون تمثل في تأكيده أنّ لبنان «بلد ذو سيادة ولا أحد يفاوض عنه»، في رسالة سياسية مباشرة إلى مختلف القوى الداخلية والخارجية. فالرئيس أراد تكريس قاعدة مفادها أنّ أي مسار تفاوضي يتعلّق بمصير لبنان أو بترتيبات وقف الحرب، لا يمكن أن يتمّ عبر وسطاء داخليّين أو قوى موازية للدولة، بل من خلال المؤسسات الدستورية وحدها. كما لم يُغلق الباب أمام الجهود الدولية، بل ميَّز بوضوح بين الدعم والمساعدة من جهة، والتدخّل في الشؤون الداخلية من جهة أخرى. وهي معادلة تعكس محاولة لبنانية للاستفادة من الحراك الدولي والإقليمي القائم، من دون التفريط بالقرار الوطني أو السماح بتحويل لبنان إلى ساحة تفاوض بالنيابة.

وفي الشق الداخلي، أعاد عون التأكيد أنّ لبنان لا يزال يعيش صراعاً بين «منطق الدولة واللا دولة»، معتبراً أنّ التجارب السابقة أثبتت أنّ انهيار المؤسسات يفتح الباب أمام تمدُّد الولاءات الفئوية والطائفية على حساب المصلحة الوطنية.

ومن خلال استحضاره تجربة عام 1975، بدا الرئيس وكأنّه يوجّه تحذيراً من إعادة إنتاج الظروف التي قادت إلى انهيار الدولة والحرب الأهلية. لذلك وضع بناء الدولة واستعادة ثقة المواطنين بها في صدارة الأولويات، معتبراً أنّ الأحزاب يمكن أن تكون شريكاً في إعادة البناء، لكنّها لا يمكن أن تتحوَّل بديلاً من المؤسسات الشرعية.

وفي موازاة الملف السيادي، خصّ عون الجنوب بمواقف لافتة، مؤكّداً أنّ صمود أبناء القرى الحدودية شكّل أحد أبرز عوامل الحفاظ على الأرض والهوية الوطنية خلال الحرب الأخيرة. وشدّد على أنّ الدولة ستكون إلى جانب الأهالي لدعم بقائهم في مناطقهم، رافضاً أي محاولات لتخوينهم أو التشكيك بتضحياتهم. ويأتي هذا الموقف في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى خطط إعادة الإعمار وعودة السكان إلى قراهم المدمِّرة.