كتب: د. جواد عبد الوهاب:
ليس في الخليج وحده يخيم الصمت. فمنذ أن خرج دونالد ترامب ليهدد سلطنة عُمان بالقصف إذا «عرقلت» التحركات الأميركية في مضيق هرمز، بدا المشهد العربي وكأن الأمر لا يعني دولاً عربية ذات سيادة، بل قضية تقع في كوكب آخر.
لا إدانات جماعية، ولا استنكار عربي واضح، ولا حتى ذلك البيان الدبلوماسي الذي اعتادت عليه الحكومات العربية بوصفه أضعف الإيمان.
المفارقة أن عُمان لم تعلن الحرب على الولايات المتحدة، ولم تهدد مصالحها، بل تقوم بدور الوسيط وتسعى إلى التوصل إلى ترتيبات بشأن مضيق هرمز. ومع ذلك يكفي أن تختلف مع الرؤية الأميركية حتى تصبح مهددة بالقصف.
لكن السؤال الأهم ليس: لماذا هدد ترامب عُمان؟
السؤال هو: أين العرب؟
ماذا يعني أن تُهدَّد دولة عربية بالقصف، ولا تتحرك الجامعة العربية، ولا تصدر مواقف عربية موحدة تقول إن أمن الدول العربية وسيادتها ليستا مجالاً للابتزاز أو التهديد؟
المشكلة هنا تتجاوز عُمان. إنها تكشف طبيعة النظام العربي الرسمي الذي فقد، منذ سنوات، القدرة على قول «لا» للقوي، بينما لا يتردد في قول «لا» لشعوبه.
هذه دول تنفق المليارات على السلاح، وتملك الجيوش والطائرات والصواريخ، وتستضيف القواعد العسكرية الأجنبية، لكنها عندما يتعلق الأمر بتهديد خارجي مباشر، تختار الصمت.
أما المواطن العربي، فقصته مختلفة.
فلو كتب مواطن في بعض هذه الدول تغريدة يدين فيها تهديد رئيس دولة أجنبية بقصف دولة عربية، فقد يجد نفسه أمام أجهزة الأمن قبل أن يجد موقفاً من حكومته. وقد تتحول التغريدة إلى تهمة، والتعبير عن التضامن مع دولة عربية إلى سبب للاعتقال، وربما إلى ما هو أبعد من ذلك.
وهنا تكمن المفارقة القاسية:
الدولة التي لا تستطيع حماية دولة عربية من التهديد، تستطيع أن تحاسب مواطناً لأنه احتج على هذا التهديد.
ليست القوة أن تمتلك الدولة السلاح فقط. القوة أن تمتلك إرادة استخدام أدواتها السياسية والدبلوماسية دفاعاً عن سيادتها وسيادة جيرانها.
وليست السيادة أن ترفع الدولة علمها فوق مبانيها، بينما تخشى أن تقول كلمتها عندما يهدد رئيس دولة أخرى بقصف دولة عربية.
الصمت العربي أمام تهديد عُمان ليس مجرد صمت سياسي.
إنه اختبار جديد كشف هشاشة النظام العربي: قوة في الداخل على المواطن، وضعف في الخارج أمام الأقوياء.
وهذه ربما هي المأساة الأكبر: أن تصبح كرامة الدولة العربية بحاجة إلى مواطن عربي شجاع يدافع عنها، بينما تصمت الدول التي يفترض أن تكون مهمتها الأولى حماية سيادتها وسيادة جيرانها.