الإعلامي خضر رسلان
مع دخول الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران شهرها السادس، ووصول مهلة الستين يوماً إلى يومها الأخير، تبدو واشنطن أمام اختبار مختلف عن ذلك الذي دخلت الحرب على أساسه. فالمشهد الذي بدأ بسقف مرتفع من الأهداف والشروط، يبدو اليوم أكثر ارتباطاً بكيفية الخروج من الحرب، وأقل ارتباطاً بتحقيق كل ما أُعلن عنه في بدايتها.
المفارقة الأساسية أن ما كان يُطرح في بداية الحرب بوصفه أهدافاً حاسمة، لم يعد يحضر بالزخم نفسه في الخطاب الأميركي. ففكرة الاستسلام الكامل لإيران، وتغيير النظام، وتدمير قدراتها الصاروخية والجوية والبحرية، ووقف علاقاتها مع حلفائها، تبدو اليوم أبعد عن الواقع السياسي والعسكري مما كانت عليه عند انطلاق المواجهة.
وهنا تبرز دلالة ما صدر عن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، الذي اختصر أهداف إنهاء الحرب في نقطتين أساسيتين: ضمان استمرار تدفق النفط والغاز من دول الخليج والحفاظ على استقرار أسعار الطاقة بالنسبة إلى الأميركيين، ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي. وتأكيد البيت الأبيض أن الهدفين يحظيان بالأهمية نفسها لدى الرئيس دونالد ترامب يكشف، في حد ذاته، عن تبدل واضح في ترتيب الأولويات.
فواشنطن التي دخلت المواجهة بسلة واسعة من المطالب، تبدو اليوم أمام حسابات أكثر واقعية. لم يعد السؤال، بالدرجة نفسها، ماذا تستطيع الولايات المتحدة أن تفرض على إيران، بل ماذا يمكن أن تحصل عليه منها لإنهاء الحرب من دون أن تبدو وكأنها تراجعت عن أهدافها الأساسية.
وهذا التحول لا يمكن فصله عن مسار الميدان. فالحرب التي كان يُفترض أن تقود سريعاً إلى تغيير المعادلات داخل إيران، دخلت شهرها السادس من دون أن تتمكن واشنطن من فرض صورة الحسم التي كانت تراهن عليها. ومع استمرار قدرة طهران على الصمود والحفاظ على عناصر القوة الأساسية لديها، باتت كلفة استمرار الحرب حاضرة بقوة في الحسابات الأميركية، ولا سيما ما يتعلق بأمن الطاقة والأسواق والنفط والغاز واستقرار المنطقة.
الأكثر دلالة هو ما يتصل بالملف النووي. فالتسريبات والتقارير الأميركية تتحدث عن تراجع في سقف المطالب، وصولاً إلى الإيحاء بأن الأضرار التي لحقت بالمنشآت والبرنامج النووي الإيراني قد تكون كافية بالنسبة إلى واشنطن في هذه المرحلة، مع الاعتماد على وسائل المراقبة والاستطلاع للتأكد من عدم تمكن إيران من إعادة بناء قدراتها النووية أو استعادة المواد المخصبة.
وهنا تصبح المسألة أبعد من مجرد تعديل في الخطاب السياسي. إنها إعادة تعريف للهدف نفسه. فبينما كان المطلوب في البداية إنهاء البرنامج، بات المطلوب عملياً منع استعادته، وبينما كان الحديث عن فرض شروط شاملة على إيران، أصبح التركيز على ضمانات محددة يمكن تحويلها إلى أرضية تفاوضية.
لذلك، فإن انتهاء مهلة الستين يوماً لا ينبغي قراءته فقط باعتباره موعداً زمنياً، بل باعتباره محطة لكشف اتجاهات المرحلة المقبلة. فإذا كانت واشنطن قد خفضت سقف أهدافها، فهذا يعني أن الميدان فرض نفسه على طاولة التفاوض، وأن قدرة الولايات المتحدة على تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية حاسمة لم تكن بالمستوى الذي افترضته عند بداية الحرب.
ولا يعني ذلك أن الطريق أصبح مفتوحاً تلقائياً أمام اتفاق. فالفجوة بين ما تريده واشنطن وما تستطيع طهران القبول به لا تزال واسعة، كما أن استمرار الضغط العسكري يبقى جزءاً من أدوات التفاوض الأميركية. لكن الفرق أن واشنطن لم تعد تفاوض من الموقع نفسه الذي دخلت منه الحرب.
المعادلة اليوم تبدو أقرب إلى البحث عن تسوية تحفظ لترامب صورة الإنجاز، وتمنح إيران ما يسمح لها بوقف الحرب من دون تقديم تنازلات تمس جوهر سيادتها وقدرتها على حماية أمنها، وتعيد في الوقت نفسه ضبط سوق الطاقة ومنع المنطقة من الانزلاق إلى حرب أطول وأكثر كلفة.
ومن هنا، فإن تراجع سقف الأهداف الأميركية لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره تفصيلاً في الخطاب السياسي، بل مؤشراً إلى نتيجة أساسية: الحرب لم تحقق حتى الآن النتائج التي أرادت واشنطن تحويلها إلى واقع سياسي.
قد تستمر الضغوط، وقد تتواصل العمليات العسكرية، وقد تدخل المفاوضات في جولات إضافية، لكن المؤكد أن حسابات اليوم ليست هي حسابات اليوم الأول.
فالميدان، في نهاية المطاف، هو الذي يرسم حدود التفاوض.
ومع انتهاء مهلة الستين يوماً، يصبح السؤال الأهم ليس ما إذا كانت الحرب ستتوقف غداً، بل ما إذا كانت واشنطن قادرة على الوصول إلى نهاية تحفظ لها الحد الأدنى من الأهداف، من دون أن تضطر إلى الاعتراف بأن سقفها الأول كان أكبر من قدرتها على تحقيقه.