| أبو الفضل عباس |
تعد الحدود اللبنانية-الإسرائيلية واحدة من أعقد جبهات الصراع الإقليمي في الشرق الأوسط وأكثرها تأثيراً على توازنات القوى . سنحاول وإياكم تفكيك المشهد المتطور على هذه جبهة لبنان وفلسطين منذ الربع الأخير من عام 2023، وذلك بالاعتماد على أربعة محاور رئيسية تشمل: قراءة دقيقة للمعطيات الميدانية المتشابكة، وتحليل معمق لخيارات الأطراف الفاعلة، وإستشراف علمي للسيناريوهات المستقبلية المحتملة، وصولاً إلى تقييم شامل لمؤشرات التصعيد أو التهدئة .
سنتبنى مقاربة واقعية وموضوعية نراعي في أبعادها التوازنات الإقليمية والدولية المعقدة، والاعتبارات السياسية والداخلية التي تحكم قرارات كل طرف، بالإضافة إلى العمل بـ “المنطق العملياتي للميدان” الذي يفرض نفسه كعامل حاسم في توجيه الأحداث .
*أولاً: المعطيات الميدانية الراهنة وأبعاد التصعيد النوعي*
منذ أكتوبر عام 2023، دخلت الجبهة اللبنانية منعطفاً نوعياً وتصعيداً غير مسبوق في حدته وعمقه منذ حرب تموز عام 2006 . هذا التحول الميداني يمكن رصده وتصنيفه عبر مؤشرات ميدانية واضحة وملموسة:
1. تبادل القصف المستمر عبر الحدود: إمتدت رقعة العمليات العسكرية المتبادلة بطول الخط الأزرق بالكامل، محولة المناطق الحدودية إلى مسرح اشتباك دائم ومباشرمنذ 3 سنوات وحصل تغيير جغرافي وديمغرافي على طرفي الحدود حيث سيطر النزوح على الجبهتين في لبنان وفلسطين كما تم تغيير شكل المنطقة جغرافياً بواسطة القصف والتدمير والتفخيخوالنسف .
2. تجاوز الخطوط التقليدية للاشتباك: تمثل التطور النوعي الأبرز في استهداف عمق المستوطنات الإسرائيلية لأول مرة، مستخدمة في ذلك صواريخ مضادة للدروع متطورة وطائرات مسيّرة انقضاضية، مما حدّ من قدرة المنظومات الدفاعية على التنبؤ بمسارات الهجمات.
3. سياسة الاغتيالات النوعية: مارست إسرائيل استراتيجية الاغتيالات النوعية الموجهة التي استهدفت من خلالها قيادات ميدانية بارزة في صفوف المقاومة، ولم تقتصر هذه العمليات على جنوب لبنان فحسب بل امتدت لتشمل الأراضي السورية أيضاً ، وبذلك نفذ الكيان خططه منذ عام 2008 المتعلقة بإغتيال قادة المقاومة وعلى رأسهم الأمين العام .
4. الأزمة الإنسانية والديموغرافية (النزوح المتبادل): تسبب التصعيد العسكري في خلق واقع إنساني ضاغط على طرفي الحدود، حيث أُجبر أكثر من 1200000 مليون ومئتي ألف مواطن لبناني على النزوح من قراهم وبلداتهم الحدودية في الجنوب، يقابله نزوح ديموغرافي مماثل وبأعداد مقاربة في الجانب الإسرائيلي من المستوطنات الشمالية .
*ثانياً: خيارات المقاومة بين معادلات الردع وصناعة الرد*
تتوزع استراتيجية المقاومة (حزب الله والقوى المتحالفة معه) للتعامل مع هذا الواقع الميداني الضاغط على ثلاثة مستويات متكاملة:
1. الخيار العملياتي الميدان
· الاستمرار في حرب الاستنزاف المحدودة: الحفاظ على وتيرة قتالية يومية تستهلك مقدرات العدو العسكرية والبشرية، مع تبني إيقاع تصاعدي مدروس وتدريجي يمنع الانزلاق الفوري لحرب شاملة غير محسوبة .
· توسيع النطاق الجغرافي للاستهداف: التلويح الدائم والبدء الفعلي في توسيع دائرة النيران لتطال عمق الحواضر الإسرائيلية الكبرى مثل مدينتي حيفا وطبريا، باستخدام الصواريخ الدقيقة ذات القدرة التدميرية العالية .
· استهداف البنية التحتية الحيوية: وضع منشآت الطاقة والكهرباء ومحطات الغاز والمطارات ضمن بنك الأهداف العملياتي، واستخدام ذلك كقوة ردع استراتيجية لمنع إسرائيل من تجاوز قواعد الاشتباك .
2. الخيار السياسي والدبلوماسي
· تفعيل قنوات الدبلوماسية الدولية والإقليمية: الرهان على قوة الضغط الدولي الرامي لوقف العدوان، عبر استثمار جهود الوساطات النشطة التي تقودها أطراف دولية وإقليمية فاعلة متمثلة في (قطر، ومصر، والولايات المتحدة الأمريكية) .
· تسويق رواية “النصر الدفاعي”: تعزيز صورة الصمود الميداني وتماسك الجبهة الداخلية والتفاف الحاضنة الشعبية حول خيارات المقاومة كدليل على فشل الأهداف الإسرائيلية .
3. الخيار الاستراتيجي طويل الأمد
· تحديث وتطوير الترسانة العسكرية: الاستمرار الفعال في تطوير وتحديث القدرات الصاروخية والدفاعية والجوية للمقاومة لمواجهة التفوق الاستخباراتي والتقني الإسرائيلي.
· تمتين التحالفات الإقليمية: تعزيز التنسيق والتحالف مع أطراف “وحدة الساحات” الإقليمية (وتحديداً مع إيران والعراق واليمن) .
· تثبيت معادلات الردع المشترك: صياغة واقع أمني إقليمي جديد يعتمد على فكرة ترابط الجبهات وتكامل الأدوار العسكرية لمنع الاستفراد بأي جبهة على حدة .
*ثالثاً: معضلة الخيارات الإسرائيلية بين حدود التوغل البري والحلول البديلة*
يواجه صانع القرار العسكري والسياسي في إسرائيل معضلة استراتيجية حقيقية تتأرجح بين الرغبة في الحسم والخشية من التورط، وتتلخص خياراته في ثلاثة مسارات:
1. الخيار العسكري المحدود والعمليات النوعية
· القصف الجوي المكثف: مواصلة استهداف وتدمير البنية التحتية لحزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت، وعلى طول الشريط الحدودي، وملاحقة خطوط إمداده وقياداته .
· العمليات الخاصة البرية: تنفيذ عمليات تسلل واقتحام خاطفة ومركزة داخل الأراضي اللبنانية تهدف بشكل أساسي لاكتشاف وتدمير شبكات الأنفاق وقواذف الصواريخ الأمامية.
· استمرار إخلاء المستوطنات: القبول المؤقت بواقع إخلاء المستوطنات الشمالية كإجراء أمني لحماية مواطنيه من القصف المباشر .
2. الخيار البري الموسع (التوغل البري)
· التقدم نحو إقليم التفاح: محاولة التقدم الميداني للسيطرة على قرى إقليم التفاح التي تمثل عمقاً استراتيجياً وحيوياً لحزب الله.
· إنشاء المنطقة العازلة: العمل على فرض واقع جغرافي جديد عبر إنشاء منطقة عازلة خالية من الوجود المسلح للمقاومة بعمق يتراوح بين 5 إلى 10 كيلومترات من الحدود.
· مخاطر وتحديات الخيار البري الموسع:
– تكبد خسائر بشرية ومادية فادحة في صفوف قوات النخبة بالجيش الإسرائيلي .
– الدخول في جبهة استنزاف برية قاسية وطويلة الأمد تشبه في تفاصيلها حرب عام 2006، ولكن بصعوبة عسكرية مضاعفة نظراً للتطور الهائل في التحصينات والأنفاق والخبرات القتالية التي راكمها حزب الله .
3. الخيار الدبلوماسي السياسي
· الضغط الدولي لتطبيق القرارات الأممية: توجيه الجهود الدبلوماسية لإجبار لبنان على التنفيذ الكامل للقرار الدولي رقم 1701، والذي يقضي بانسحاب حزب الله وقواته المسلحة إلى شمال نهر الليطاني.
· استخدام لغة التهديد: توظيف التهديد الدائم بتوسيع نطاق الحرب والقيام بعملية مدمرة كأداة ضغط سياسي لفرض ترتيبات أمنية مواتية وتنازلات من الجانب اللبناني .
*رابعاً: هل ستكمل إسرائيل باتجاه قرى إقليم التفاح؟ (محددات التحرك البري)*
إن اتخاذ إسرائيل لقرار التوغل البري والوصول إلى عمق قرى إقليم التفاح لا يعد خطوة سهلة، بل يرتبط مباشرة بثلاثة متغيرات جوهرية وحاسمة:
1. قدرة المقاومة على صد المراحل الأولى من التوغل: مدى نجاح حزب الله في إيقاع خسائر بشرية ومادية معتبرة بالجيش الإسرائيلي في الأيام والأسابيع الأولى من أي توغل بري.
إن القراءة التاريخية لعمليات الجيش الإسرائيلي تؤكد تراجعه السريع عن التوغلات العميقة في حال واجه مقاومة عنيفة وغير متوقعة على الخطوط الأمامية وخصوصاً أن حزب الله يمتلك أسلحة متطورة مضادة للمدرعات والآن بات بحوزته مسيرات إنقضاضية ( FPV ).
2. موقف الإدارة الأمريكية: تلعب واشنطن دوراً كابحاً لخطط التوغل البري، حيث تضغط بقوة لمنع توسيع رقعة الحرب الإقليمية حرصاً منها على استقرار المنطقة ومصالحها الحيوية، وقد تضع حدوداً حمراء أمام التمدد الإسرائيلي المفرط .
3. الحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل: تعاني الحكومة الإسرائيلية من ضغوط داخلية شديدة وهي بحاجة ماسة لتقديم “صورة إنجاز” واضحة للجمهور الإسرائيلي. ولذلك، فإن سيناريو التوغل البري المحدود جغرافياً وزمنياً، المتبوع بانسحاب سريع، يبدو هو الخيار العملي الأكثر تلاؤماً مع حساباتها الداخلية .
الترجيح الاستراتيجي الحالي :
بناءً على المعطيات السابقة، فإن الترجيح الأكثر قبولاً وموضوعية يشير إلى أن إسرائيل ستكتفي في أقصى الحالات بعمليات برية محدودة ضمن الأطراف والمناطق الجنوبية المتاخمة للحدود (حتى خط نهر الليطاني كحد أقصى). ولن تتجرأ على المغامرة بالتوغل العسكري في العمق نحو إقليم التفاح، إلا في حالة واحدة تتمثل في تدحرج الأمور إلى حرب شاملة مع إيران ومفتوحة خارج الحسابات والتقديرات التقليدية للأطراف .
*خامساً: ديناميكية رد المقاومة ومعادلات الردع المتبادل*
تؤكد المعطيات الميدانية أن رد المقاومة على الاعتداءات الإسرائيلية مستمر وبشكل يومي، غير أن طبيعة ومستويات هذا الرد تخضع لمعادلات وحسابات استراتيجية دقيقة:
1. معادلة التناسب والتماثل: تحرص المقاومة على إبقاء ردودها منضبطة بحدود الضربة المضادة، حيث يقابل الاغتيال إطلاق صليات صاروخية مماثلة، ويقابل قصف بلدة لبنانية قصف مستوطنة إسرائيلية موازية.
2. الرد الاستراتيجي الكبير: في حال إقدام إسرائيل على تجاوز الخطوط الحمراء واغتيال قيادة وازنة وكبرى من الصف الأول، فإن الرد سينتقل لمستوى استراتيجي عبر إطلاق وابل كثيف من الصواريخ الدقيقة والبعيدة المدى باتجاه مدينة تل أبيب أو القواعد العسكرية والمنشآت الاستراتيجية الإسرائيلية الحساسة.
3. أوراق القوة والرد المؤجل: تحتفظ المقاومة ببعض الأوراق الاستراتيجية النوعية (مثل استهداف البنى البحرية الإسرائيلية أو منصات استخراج الغاز في البحر الأبيض المتوسط) كأوراق ضغط وتفاوض قوية ومؤجلة يتم استخدامها في اللحظات الحرجة أو لفرض شروطها في أي تسوية سياسية مستقبلية.
*سادساً: التحليل الاحتمالي للسيناريوهات المستقبلية*
في ظل قراءة الميدان وحسابات الأطراف، يمكن استشراف أربعة سيناريوهات مستقبلية محتملة تتفاوت في نسب تحققها:
1. السيناريو الأول: حرب استنزاف مطولة ومستمرة (الاحتمال الأقوى: 45%)
يقوم هذا السيناريو على بقاء وتيرة الاشتباكات الحالية قائمة، مع تخللها لعمليات نوعية وضربات موجهة متبادلة دون الانزلاق للحرب الشاملة. وينتهي هذا مسار بعد إنهاك الأطراف بالوصول إلى تفاهمات غير معلنة تعيد تثبيت قواعد الاشتباك القديمة مع إدخال تعديلات أمنية طفيفة تراعي مستجدات الميدان.
2. السيناريو الثاني: حرب عسكرية محدودة برّاً وجوّاً (الاحتمال المتوسط: 35%)
يفترض هذا السيناريو قيام إسرائيل بتنفيذ توغل بري محدود داخل الأراضي اللبنانية بعمق لا يتجاوز 5 كيلومترات بهدف تدمير البنية الأمامية للمقاومة وتأمين الحدود . تتبع هذا التوغل وساطة دولية عاجلة تفضي لاتفاق وقف إطلاق نار شامل، يتضمن تعزيز وجود وانتشار الجيش اللبناني في مناطق الجنوب.
3. السيناريو الثالث: حرب شاملة ومفتوحة إقليمياً (الاحتمال الضعيف: 15%)
سيناريو كارثي ينشأ نتيجة خطأ في تقدير الموقف أو جراء اغتيال إسرائيلي لقيادة استراتيجية كبرى يتلوها رد غير مسبوق. يتميز هذا السيناريو باتساع رقعة الحرب جغرافياً لتمتد وتشمل سوريا وإيران ودول الخليج مع احتمالية تدخل عسكري مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية. يظل هذا الخيار ذا احتمالية منخفضة نظراً لكلفته الباهظة والمدمرة على جميع الأطراف المعنية.
4. السيناريو الرابع: التهدئة الاستراتيجية الشاملة (الاحتمال المستبعد: 5%)
الوصول إلى اتفاق إطار سياسي وأمني شامل ومستدام، يستند إلى التوافق على رسم الحدود البرية والبحرية، ووضع ترتيبات أمنية متبادلة تضمن الاستقرار الطويل الأمد. يظل هذا السيناريو بعيد المنال في ظل الظروف السياسية الراهنة وتعنت المواقف.
*خلاصة استراتيجية*
يتضح من استقراء مجمل الأبعاد والمؤشرات أن المشهد على الجبهة اللبنانية يتجه نحو:
1. استمرار التصعيد بنمط متقطع ومسيطر عليه، مع حرص متبادل من الطرفين (المقاومة وإسرائيل) على تجنب السقوط في فخ الحرب الشاملة، ما لم تقع حوادث ميدانية جسيمة أو أخطاء تقديرية غير محسوبة.
2. ستستمر إسرائيل في تفضيل العمليات الاستخباراتية والضربات الجوية النوعية مستغلة تفوقها الجوي، مع الإحجام عن الدخول في مغامرة برية عميقة ومكلفة.
3. ستواصل المقاومة سياسة الرد التدريجي المتصاعد، مع الاحتفاظ بأسلحتها الاستراتيجية كأوراق تفاوضية رابحة للمستقبل .
4. تظل منطقة إقليم التفاح خارج دائرة الاستهداف الإسرائيلي البري المباشر في المرحلة الحالية، وتتحول فقط لمسرح عمليات عسكرية إذا فُرضت الحرب الشاملة.
*توصيات استشرافية للمتابعة والتحليل*
لتقدير الاتجاهات اللحظية بدقة، نوصي صُنّاع القرار ومحللي السياسات بمراقبة ثلاثة مؤشرات جوهرية تتغير معها توازنات المعركة:
1. الخطاب السياسي والإعلامي لقادة الطرفين: مراقبة التغير في نبرة التهديد والوعيد والوقوف على ما إذا كانت تتجه نحو التهدئة أو التصعيد. والإبتعاد عن ما يتم تداوله على وسائل التواصل الإجتماعي .
2. طبيعة وتيرة الاغتيالات: رصد نوعية القيادات المستهدفة وتصنيفها بين قيادات ميدانية عملياتية أو قيادات من الصف الأول والثاني وقيادات سياسية وعسكرية رفيعة .
3. الديناميكية والدبلوماسية الدولية: متابعة كثافة الزيارات الميدانية للمبعوثين الدوليين، وحراك مشاريع القرارات الخاصة بالجبهة اللبنانية في أروقة مجلس الأمن الدولي.
“والعلم عند الله العلي القدير، ويبقى التقدير الميداني الحقيقي رهيناً بالمتغيرات اللحظية والتوازنات الاستراتيجية المتغيرة باستمرار في الميدان”.
أ