بقلم: الإعلامي خضر رسلان
أحياناً لا يكون الانفجار هو الحدث الأهم، بل ما يكشفه الانفجار. ففي الحروب، لا تنتهي المعركة عند لحظة التفجير أو سقوط الموقع، بل تبدأ بعدها معركة أخرى على تفسير ما جرى، وعلى تحديد من يملك القدرة على تحويل المشهد الميداني إلى حقيقة ثابتة في وعي الجمهور.
من هذه الزاوية، لا تبدو تلال علي الطاهر مجرد موقع تعرّض لتفجير ضخم، بل نقطة كاشفة لمعركة أوسع تتداخل فيها القوة العسكرية مع الحرب النفسية وحسابات الردع. فالعدو سارع إلى تقديم العملية باعتبارها إنجازاً نوعياً، وأحاطها بسردية واسعة التفاصيل: نحو 1100 طن من المتفجرات وفق روايته، مداخل جبل وأنفاق، ومقاتلون قيل إنهم واصلوا القتال حتى النهاية. غير أن كثافة التفاصيل نفسها لم تُنهِ الأسئلة، بل فتحت بعضها.
فالحديث عن تنظيف الأنفاق من الرفات والجثامين قبل تفجيرها، من دون تقديم تفسير واضح ومقنع حول موقع القوات الإسرائيلية وآلية تنفيذ العملية، يترك مساحة واسعة للتساؤل حول حقيقة المشهد الذي سبق التفجير ورافقه. وهنا تحديداً تصبح المشكلة أكبر من مجرد اختلاف في الروايات؛ إذ إن الرواية العسكرية التي يفترض أن تكون كافية بذاتها تبدو محتاجة إلى بناء نفسي وإعلامي واسع لتثبيت صورة الانتصار.
وهذا يقود إلى السؤال الأهم: لماذا كل هذا الإصرار على إنتاج رواية متكاملة حول تفجير موقع واحد، إذا كان ما جرى يمثل بالفعل تحولاً واضحاً وحاسماً في ميزان القوة؟
في الحروب، لا تكفي القدرة على إحداث الدمار لإثبات الحسم. فقد يستطيع جيش تدمير موقع، لكنه لا يستطيع بالضرورة فرض تفسيره لما حدث، ولا ضمان أن تكون نتيجة التفجير في الوعي الاستراتيجي مطابقة للصورة التي أراد تسويقها. ومن هنا تبدو علي الطاهر ساحة لمعركة مزدوجة: معركة على الأرض، وأخرى على الإدراك.
لكن أهمية ما جرى لا تتوقف عند حدود الموقع نفسه. فالتطورات المتزامنة تكشف أن أي محاولة لقراءة المشهد من خلال جبهة واحدة باتت عاجزة عن تفسير الصورة الكاملة. فالحرب التي تتعرض فيها خطوط الملاحة والطاقة للضغط، وتقترب فيها أسعار النفط من مستويات مرتفعة، ويصبح مضيق هرمز موضع توتر متزايد، ليست حرباً يمكن فصل نتائجها العسكرية عن آثارها الاقتصادية والاستراتيجية.
مضيق هرمز، في هذا السياق، لا يمثل مجرد ممر بحري، كما أن باب المندب والبحر الأحمر لا يمثلان مساحات جغرافية بعيدة عن مسرح المواجهة. حين تتعرض طرق الطاقة وممراتها الحيوية للتهديد، تصبح الجغرافيا نفسها جزءاً من ميزان الردع. ويصبح الضغط في نقطة واحدة قادراً على إنتاج تداعيات في نقاط أخرى، بما يجعل أي تقدير عسكري منفصل عن حسابات الطاقة والملاحة تقديراً ناقصاً بطبيعته.
وتزداد الصورة تعقيداً مع الحديث عن استهداف أجزاء من خط أنابيب شرق–غرب، وعن إصابة منشآت وخزانات نفطية في جازان، وصولاً إلى التهديد الذي يطال منشآت استراتيجية مثل رأس التنورة. وبصرف النظر عن حجم كل ضربة وتفاصيلها، فإن الدلالة الأوسع تكمن في انتقال الضغط من الجبهة العسكرية المباشرة إلى البنية التي تقوم عليها القدرة الاقتصادية والاستراتيجية.
وهنا تظهر واحدة من أبرز مشكلات الحسابات: الاعتقاد بأن التفوق في القدرة على القصف والتدمير يمكن أن يضمن وحده السيطرة على مسار الحرب. فالردع لا يُبنى فقط على حجم القوة النارية، بل على القدرة على حماية المصالح الحيوية، وضبط الجبهات، ومنع الخصم من نقل كلفة المواجهة إلى مساحات لم تكن محسوبة في البداية.
ولهذا يصبح الموقف الأميركي جزءاً من المعادلة. فرفض الانخراط المباشر في حرب اليمن، والاكتفاء بالدعم الاستخباري وإرسال الضباط والمستشارين، يعكسان حساسية واشنطن تجاه التورط في مسار قد تتسع كلفته وتتعقد نتائجه. وفي الوقت نفسه، فإن القلق من تأثير الحرب على الردع الأميركي في مواجهة قوى دولية أخرى، ولا سيما الصين وروسيا وكوريا الشمالية، يكشف أن حسابات واشنطن لم تعد محصورة في ساحة المواجهة نفسها.
وفي المقابل، تستمر الضغوط على إيران عبر الملف النووي ومحاولات إعادة نقل القضية إلى مجلس الأمن، بينما تبقى المفاوضات مرتبطة بتراجع الجانب الأميركي عن مواقفه والالتزام بالاتفاق. وهكذا لا تبدو طهران أمام ملف منفصل، بل في قلب مشهد تتقاطع فيه الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية، وتتشابك فيه حسابات الردع مع حسابات الطاقة والممرات البحرية.
من هنا يمكن فهم دلالة رفع جيش العدو مستوى التأهب على مختلف الجبهات، وربط ذلك بالتهديد الإيراني بالرد على أنشطته في علي الطاهر. فلو كان ما جرى هناك مجرد عملية موضعية ناجحة لا تحمل تداعيات تتجاوز حدود الموقع، لما تحول إلى عنصر في حسابات التأهب الإقليمي.
وهذه هي النقطة التي تستحق التوقف عندها: المشكلة ليست في حجم الفجوة التي أحدثها الانفجار في الجبل، بل في الفجوة التي كشفها في الحسابات.
فالرواية التي أرادت تقديم التفجير بوصفه دليلاً على الحسم، قد تكون كشفت في المقابل حاجة العدو إلى تثبيت هذا الحسم إعلامياً ونفسياً. وكلما اتسعت الجبهات وتشابكت المصالح، يصبح من الصعب اختزال النتيجة في صورة موقع مدمّر أو بيان عسكري ناجح.
المعادلة الأوسع تقول إن الحرب لم تعد تُقاس فقط بمن يملك القدرة على تدمير موقع، بل بمن يستطيع الحفاظ على الردع بعد التدمير، ومنع انتقال آثار المواجهة إلى الاقتصاد والطاقة والملاحة والجبهات الأخرى.
لذلك، فإن السؤال الذي تتركه علي الطاهر ليس فقط: ماذا فجّر العدو؟ بل ماذا كشف التفجير؟
كشف أن معركة الرواية أصبحت جزءاً من معركة القوة، وأن الجبهات لم تعد جزرًا منفصلة، وأن الضغط في الجغرافيا يمكن أن يتحول إلى ضغط في الاقتصاد والردع والطاقة. وكشف أيضاً أن التفوق العسكري في لحظة معينة لا يعني بالضرورة امتلاك زمام الحرب في مسارها الكامل.
وهنا تحديداً تبدأ فجوة الحسابات.
فما يبدو انفجاراً هائلاً في جبل قد يكون، في القراءة الأوسع، مجرد تفصيل في مواجهة أكبر بكثير من الموقع الذي استهدفه. وعندما يصبح كل مسار قادراً على التأثير في المسارات الأخرى، لا يعود السؤال الحقيقي: أين وقعت الضربة؟ بل هل يستطيع من نفذها أن يتحكم بما سيأتي بعدها؟
وهذه، في نهاية المطاف، هي المعركة التي لم يحسمها الانفجار.