بقلم علي خيرالله شريف
نسينا، كلبنانيين، الديون الباهظة التي ركَّبوها على ظهورنا منذ المرحوم رفيق الحريري ومن تلاه من رؤساء حكومات ومن عايشه في الرئاسات. حتى الإعلاميين والمحللين السياسيين، باتت جهودهم تنصب على تأويلات انتخاب الرئيس وعلى تحليل فذلكات المصرفيين والسماسرة والمنافقين، وعلى أخبار صندوق النقد الدولي وشروطه والمفاوضات غير المتكافئة معه. تَصَوَّروا أنَّ الجميع وقع في فخ المصطلحات التي ابتدعها رياض سلامة مثل “صيرفة” و”أسعار الصرف المتعددة” و”تعاميم مصرف لبنان” التي تشبه فرمانات السلطنة العثمانية. فمثلاً، الجميع نسوا شيئاً اسمه الغاز والنفط، وناموا على حرير ترسيم الحدود الذي بات في خبر كان، ولا يسألون أين أصبحت توتال في وعودها الكاذبة لنا بالتنقيب، وأي أصبح العدو في تصدير الغاز إلى كل أنحاء العالم…. ومن يعِش يذكر أنه عندما ستخرج علينا توتال لإعلامنا بنتائج تنقيبها في بلوكاتنا، سَتُخبِرنا أنها لم تجد نقطة غازٍ واحدة.. وسنُفاجأ بالحقيقة الـمُرَّة أن العدو قد سحب غازَنا من تحتِنا دون أن نشعر، وصَدَّره وقبض ثمنه، ونحن ننام على حرير توتال.
نتذكر قصة الرجل الذي كان يعاني من ضيق الغرفة التي كان يسكن فيها هو وعائلته المكونة من عشرة أنفار، فأشار عليه صديقه أن يربط الحمار معه في الغرفة ثم البقرة ثم يُبَيِّت معه الدجاجات ثم الكلب والقطة والأرانب. وكان صديقُهُ يسأله كل مرة عن شعوره، فيولول وتزداد شكواه. ولما اكتَظَّت الغرفة وطفح الكيل، نصحه ذلك الصديق أن يُخرِجَ حَيوانِاتِهِ من الغرفة بالتدرج، حيواناً كُلَّ عدَّةِ أيام، إلى أن بقي فيها هو وأفراد عائلته العشرة، فعبر له عن سعادته وعن شعوره بالبحبوحة وسِعَةَ المكان التي وصل إليها.
هكذا نحن اللبنانيين اليوم؛ كنا نعاني من تراكم النفايات وانقطاع تام للكهرباء، ومن مئات المشاكل اليومية، إلى أن بعثَ الله إلينا صديقنا الحكيم والعبقري رياض سلامة ومن يُسانِدُه ويدعمه من الحكام، يُضَيِّقُون الخناق علينا إلى ما قبل الموت بِبُرهَة، حتى وصَل بنا الحال أن نتعايش مع أكوام النفايات مهما كان ارتفاعُها، ونَسعدَ بِتَوَفُّرِ المحروقات في المحطات مهما ارتفع سعرها، ونرضى بأربع ساعات كهرباء بدل انقطاعِها، فلا يهمنا مدة التغذية ولا كلفتها بل يهمنا أن يصلنا التيار ولو لساعة واحدة يومياً، حتى ولو تَسَوَّلنا المالَ لتسديد فواتيرها. ورضينا بالغلاء الفاحش لأسعار السلع والدواء بدل فقدانها، وبامتطاء “التُكتُك” بدل النقل العام والسيارة والقطار…
كل هذا يحصل، ولا نسمع من النواب والوزراء والمسؤولين والرؤساء والإعلاميين والمعنيين بشؤون الشعب، سوى الخطابات الرنانة والتحليلات المستفيضة التي تُعَبِّرُ عن قلقهم البالِغ واهتمامهم الشديد والوحيد بانتخاب رئيس الجمهورية(أقصد تعيينه)، حتى ولو أتوا برئيس حكومة أخطر ممن سبقه بعشرات المرات(لأنه صاحب الصلاحيات). مع العلم أن وجود الرئيس لا يُقَدِّمُ ولا يؤخر في حياة البلد والناس. وأكثر من ذلك سَنُذَكِّرُ بَعضَنا أنَّهُ بعد اختيار الرئيس لن يَتِمَّ إيجاد أيِّ حَلٍّ لِمُشكِلَةٍ واحدة من مِئاتِ المشاكل التي نغرق فيها، بل ستتفاقم كُلُّها أَكثَرَ فَأكثر، لأنَّ سبب ما نحنُ فيه هو في مكانٍ آخر تماماً. ويومها سينتقل المحللون والخطباء من مرحلة الكلام عن مشكلة عدم وجود رئيس، إلى جدالٍ جديد عن ضرورة تغيير الرئيس. إذن ليست مشاكل لبنان في وجود رئيس جمهورية أو عدم وجوده، بل في وجود كرامة وطنية أو عدم وجودها. هذا ولم نتكلم بعد عن الذُلِّ الذي نشعر به ونحن نسمع عن سعي كل الدول لتعيين رئيسنا دون أن يكون لرأينا أي قيمة أو دور في هذا الاستحقاق. نحن فقط نتَكَيَّف مع ما يريدونه لنا، ونلبس ما يخيطونه لنا، ونُحَرِّكُ مشاعرنا مع إرهاصاتِ مشاعرهم ومصالحهم ومخططاتهم.
الغلاء الفاحش يأكلنا، وسوء الحال يُنهِكُنا، ولا نجد في الحكام من يسهر على مصلحتنا، بل يخدعوننا بالأوهام الكاذبة فيُصَوِّروا لنا أنَّ انتخاب رئيس الجمهورية سيكون بمثابة العصا السحرية التي ستحلُّ كُلَّ مشاكِلِنا وستؤمِّن لنا البحبوحة والسعة في أرزاقنا.