الإمام المغيّب موسى الصدر: الغياب الجرح

| د. محمد حسن سعد |

 

في حياة الأمم لحظات تختبر صدق انتمائها وصلابة ضميرها، وكانت لحظة تغييب الإمام السيد موسى الصدر للبنان إحدى أكثر هذه اللحظات فداحة وعمقاً. لم يكن غيابه فقدان رجلٍ عابر، بل تغييب مشروع كامل وإسكات صوتٍ شكّل ميزاناً بين الطائفة والوطن، بين الدين والدولة، بين الإنسان وقيمته. لقد ترك غيابه فجوة متسعة مع الزمن، تكشف في كل عام عجزنا عن أن نكون بمستوى وصاياه وحجم رؤيته.

 

الإمام الإنسان: مشروع كرامة

 

كان الإمام السيد موسى الصدر أكبر من زعيم، وأكثر من فقيه، كان فكرة متقدمة رائدة حملت بوصلة الخلاص في زمن التيه. آمن أن العدالة لا تتجزأ، وأن كرامة الإنسان ليست امتيازاً تمنحه الطوائف، بل حقٌّ أصيل يولد معه. لذلك وقف إلى جانب المحرومين، لا ليسجّل نقاطاً سياسية، بل ليقول إن الحرمان جريمة دولة، وإن الكرامة أساس العمران، وحمل مشروعه كمن يضع حجر الأساس لدولة الإنسان، حيث تتراجع الانتماءات الضيقة أمام عظمة المواطنة.

 

البوصلة الوطنية: رؤية تتجاوز الطوائف

 

قرأ الإمام مبكراً أن لبنان، إن بقي أسير الطائفية، سيسقط حتماً. وحذّر أن الدولة التي تُدار كحساب طائفي هي دولة تنتحر ببطء. بالنسبة إليه، الوحدة الوطنية لم تكن شعاراً للاستهلاك، بل شرط بقاء الكيان، ومن هنا دعا إلى عقد اجتماعي جديد يُنصف الجميع، ويجعل المساواة فوق كل اعتبار. وفي هذا السياق أطلق عبارته الشهيرة: “لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه”، مثبتاً أن الخلاص لا يكون في الانقسام أو الارتهان للخارج، بل في وطن جامع يحتضن أبناءه جميعاً بلا تمييز، وطن لا يُختزل في طائفة ولا يُرتهن لمذهب، بل يعلو بالإنسان على كل الانتماءات الضيقة.

 

مواجهة المشروع الصهيوني: رؤية كونية

 

لم يحصر الإمام السيد موسى الصدر رؤيته في حدود لبنان، بل أدرك أنّ المشروع الصهيوني هو خطر حضاري شامل، لا يهدد فلسطين وحدها، بل لبنان والمنطقة والعالم بأسره. لم يكن مجرد احتلال للأرض، بل مشروع استعماري يسعى لطمس الهوية واستبدال القيم الإنسانية بقانون القوة، لذلك دعا إلى مقاومته بالوعي قبل البندقية، وبالوحدة قبل التشرذم، وبالإرادة قبل الاستسلام، وكان يؤكد أن الدفاع عن فلسطين لا ينفصل عن الدفاع عن لبنان، وأن بقاء لبنان نفسه مرهون بقدرته على مواجهة هذا المشروع.

 

الطائفية ونهاية الكيان اللبناني

 

كان الإمام السيد موسى الصدر يرى في الطائفية سُمّاً قاتلاً، أخطر من أي عدوان خارجي، فالطائفية عنده ليست تنوّعاً ثقافياً بل قنبلة موقوتة تُفكّك المجتمع وتُفرّغ الدولة من معناها. وحذّر بلا مواربة: إن لم يتجاوز اللبنانيون انقساماتهم نحو وطن جامع، فإن لبنان سيغدو مجرّد اسم بلا مضمون، وكياناً بلا روح. واليوم، وقد أثبتت الأحداث صحة بصيرته وعمق رؤيته، ندرك أنّ الطائفية لم تكن مجرد خطأ سياسي، بل جريمة وجودية تهدد بانهيار الكيان من جذوره.

 

الرسالة الحية: من الغياب إلى الحضور

 

لم يستطع الخطف أن يُغيّب الإمام، بل حوّله إلى قضية مفتوحة على الزمن، فما زالت وصاياه تُضيء طريق المحرومين، وصورته تختصر معنى العدالة، وصوته يرنّ في الذاكرة الوطنية كجرس إنذار: لا خلاص للبنان إلا بالوحدة، ولا مستقبل له إلا بالخروج من أسر الانقسام الداخلي. لقد تحوّل الغياب إلى حضور أبدي، وإلى بوصلة حيّة تكشف كل زيف وتعرّي كل خيانة.

 

نداء وطني

 

ايها اللبنانيون إن الإمام السيد موسى الصدر ليس ذكرى نرثيها، بل امتحان نعيشه، فمن وفى له، وفى للبنان، ومن تنكّر له، خان ضمير وطن بأسره. إن وحدتكم وصيته، وعدالتكم مشروعه، ومقاومتكم رسالته، فلا تجعلوا غيابه عذراً للاستسلام، بل دافعاً لتجديد العهد. فلبنان الذي حلم به الإمام، وطن العدالة والكرامة، لن يُكتب له البقاء إن بقي أسير الطائفية، لكنه سيولد من جديد إذا حملتم رسالته وجعلتموها مشروع حياة.

 

العهد والوفاء

 

في ذكرى تغييبك، نقف لا لنستسلم للحزن، بل لنعلن العهد: سنبقى أوفياء لك، لوطنك الذي أردته حراً، ولرسالتك التي جعلت من الكرامة قدراً لا خياراً. ستبقى أيها الإمام الحاضر–الغائب أمل المعذبين والصرخة المستمرة في وجه الطغاة، ونداءً للعدالة، وسراجاً مضيئاً للانسان، ونوراً لا يُطفأ ، مهما طال الليل.