البحرين تُفشِل صلالة.. وواشنطن تُصفّق من خلف الستار

كتب: د. جواد عبد الوهاب:

لم يكن تأجيل اجتماع صلالة بين إيران ودول مجلس التعاون والعراق مجرد عثرة دبلوماسية عابرة، ولا خلافاً على جدول الأعمال يمكن تجاوزه بتحديد موعد جديد. ما جرى يكشف أزمة أعمق بكثير: أزمة مجلس التعاون نفسه، وأزمة القرار الخليجي الذي لم يتحرر بعد من المظلة الأمريكية.

والأكثر وضوحاً في هذه القصة هو الموقف البحريني.

فحين كانت عُمان تحاول فتح نافذة للحوار بين ضفتي الخليج، وحين كانت المنطقة بأمسّ الحاجة إلى البحث عن ترتيبات أمنية إقليمية تخفف احتمالات الانفجار، خرجت المنامة لتضع العربة أمام الحصان، معلنة رفض المشاركة قبل استعادة العلاقات الدبلوماسية مع إيران.

وهكذا تحولت البحرين من عضو في منظومة خليجية يفترض أن تبحث عن مصالحها المشتركة إلى حجر عثرة أمام أي محاولة لبناء تفاهم خليجي ـ إيراني.

والسؤال الذي يجب أن يُطرح بصراحة: لمن تخدم هذه السياسة؟

هل تخدم البحرين؟ هل تجعل الخليج أكثر أمناً؟ هل تغير موقع إيران الجغرافي؟ هل تستطيع المنامة، مهما بالغت في التصعيد، أن تلغي إيران من معادلة أمن الخليج؟

الجواب واضح: لا. لكنها تخدم طرفاً آخر بالتأكيد.

إنها تخدم من يريد أن يبقى أمن الخليج مرتبطاً بالوجود الأمريكي، ومن لا يريد لدول المنطقة أن تكتشف أن بإمكانها التفاهم على أمنها من دون وصاية خارجية.

وهنا تصبح واشنطن حاضرة في المشهد حتى عندما لا تظهر فيه.

فالولايات المتحدة بنت نفوذها الخليجي على قاعدة أن دول المنطقة لا تستطيع حماية نفسها من دونها. ومن أجل تكريس هذه القاعدة، كان من الضروري إبقاء إيران في موقع “الخطر الدائم”، والخليج في موقع “الحاجة الدائمة إلى الحماية”.

أما أن تجلس إيران والسعودية والإمارات وعُمان وقطر والكويت والبحرين والعراق حول طاولة واحدة لمناقشة أمن الخليج وهرمز، فهذه بداية لمعنى آخر تماماً.

معنى يقول إن أمن المنطقة يمكن أن يصنعه أهلها. وهذا تحديداً ما لا يناسب واشنطن.

لكن المفارقة الأكثر إيلاماً أن بعض العواصم الخليجية تبدو مستعدة للقيام بهذه المهمة نيابة عن الولايات المتحدة.

البحرين نموذج صارخ.

فبدلاً من أن تستثمر المنامة في موقعها الجغرافي لتكون جسراً بين الخليج وإيران، تصر على تقديم نفسها كخط مواجهة متقدم. وبدلاً من أن تسأل كيف يمكن حماية المصالح البحرينية والخليجية من تداعيات الحرب، تنشغل بالسؤال: كيف نمنع الحوار مع إيران؟

وكأن المشكلة في وجود طهران على الجانب الآخر من الخليج، لا في السياسات التي تجعل الخليج كله رهينة للصراع بين القوى الكبرى.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن القطيعة لم تغير شيئاً جوهرياً.

إيران بقيت قوة إقليمية. ومضيق هرمز بقي في موقعه. والخليج بقي معرضاً لتداعيات أي مواجهة أمريكية ـ إيرانية.

أما الدول الخليجية، فكلما تصاعد التوتر، وجدت نفسها مضطرة إلى طلب مزيد من الحماية الأجنبية، ومزيد من القوات والقواعد والاتفاقيات الأمنية.

أي دائرة مغلقة هذه؟

نختلف مع إيران، فنستدعي أمريكا. ثم نختلف مع إيران أكثر، فنستدعي أمريكا أكثر. ثم نكتشف أن أمريكا نفسها طرف في الصراع، فنعود للبحث عن مخرج إقليمي!

وهنا تأتي أهمية اجتماع صلالة.

فالمشكلة لم تكن في الاجتماع، بل في ما كان يمكن أن ينتج عنه.

كان يمكن أن يفتح الباب أمام حوار مباشر حول الملاحة وهرمز، وأن يضع أساساً لترتيبات أمنية إقليمية، وأن يمنح دول الخليج هامشاً أوسع في إدارة أزماتها بعيداً عن الحسابات الأمريكية.

ولذلك فإن تعطيله، أياً تكن أدواته، يصب في النهاية في مصلحة من يريد استمرار الوضع القائم.

لكن ينبغي ألا نعفي العواصم الخليجية من مسؤوليتها. فواشنطن لا تستطيع أن تفشل أي مشروع إقليمي إذا كانت دول المنطقة متفقة عليه ومصممة على إنجازه.

المشكلة إذن ليست في أمريكا وحدها. المشكلة أن هناك دولاً خليجية ما زالت ترى في المظلة الأمريكية ضمانة، حتى بعد أن أثبتت الأحداث أن هذه المظلة ليست بالضرورة ضمانة لأمنها.

والبحرين، في هذا المشهد، اختارت أن تكون في الصف الأكثر تشدداً.

لكن التاريخ لا يرحم الدول التي تخلط بين حماية أمنها وبين حماية مصالح الآخرين.

فالسياسة الخارجية ليست مسابقة في إرضاء الحليف الأقوى، وإنما فن حماية المصالح الوطنية بأقل كلفة ممكنة.

والبحرين تحديداً تحتاج إلى أن تسأل نفسها: ماذا تكسب من القطيعة؟ وماذا ستخسر إذا تحولت المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية إلى حرب طويلة؟ ومن سيدفع ثمن إغلاق هرمز؟ ومن سيدفع ثمن ارتفاع الطاقة؟ ومن سيتحمل ارتدادات أي حرب جديدة في الخليج؟

ليست واشنطن هي التي ستدفع وحدها. إنها دول الخليج أولاً.

ولهذا فإن تعطيل صلالة ليس بطولة دبلوماسية، ولا انتصاراً على إيران. إنه، في جوهره، انتصار لمنطق الانقسام داخل الخليج.

أما واشنطن، فليس عليها سوى أن تراقب وتبتسم. فكلما اختلف الخليجيون، طال عمر الحاجة إلى الأمريكي.

وكلما فشلوا في بناء أمنهم الإقليمي، ازداد نفوذ من يبيعهم الأمن من الخارج.

لكن هذه المعادلة لن تبقى إلى الأبد. فالمنطقة تتغير، وموازين القوة تتغير، وحقيقة أن أمن الخليج لا يمكن أن يُبنى ضد إيران، كما لا يمكن أن يُبنى ضد العراق أو اليمن، أصبحت أكثر وضوحاً.

قد يتأجل اجتماع صلالة. وقد تفشل محاولة أخرى. لكن السؤال سيبقى مطروحاً:

إلى متى سيظل الخليج يدفع ثمن رفض الحوار مع جيرانه، لكي يبقى الآخرون هم أصحاب الكلمة الأولى في أمنه؟

ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه المنامة، قبل أن تجيب عنه واشنطن.