التفاوض تحت الضغط… حين يُطلب من لبنان التنازل عمّا عجز العدو عن انتزاعه بالحرب

بقلم: الإعلامي خضر رسلان

ليس تفصيلاً عابراً أن يُطرح اليوم خيار التفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي، ولا يمكن عزله عن سياق الضغط الأميركي–الإسرائيلي المتصاعد على الدولة اللبنانية. فالمسألة تتجاوز الشكل إلى الجوهر: محاولة ممنهجة لكسر الحاجز السياسي والنفسي مع العدو، وفرض مسار يتجاوز ما كرّسته الوقائع الميدانية من معادلات جديدة لمصلحة لبنان.
هذا التوجّه، في جوهره، لا يُقرأ كخيار سيادي، بل كاستجابة لضغوط خارجية تسعى إلى انتزاع مكاسب سياسية مجاناً، بعد أن فشل العدو في تحقيقها بالقوة. وهو ما يضعه في خانة التنازل الخطير، لا التسوية المتكافئة.
من هنا، يصبح من الضروري التأكيد بوضوح أن المفاوضات المباشرة مع العدو الإسرائيلي ليست فقط خطوة مرفوضة سياسياً، بل هي أيضاً إشكالية دستورياً وقانونياً. فلبنان، بقوانينه النافذة، يجرّم أي شكل من أشكال العلاقة مع هذا العدو، ما يجعل الانخراط في مفاوضات مباشرة خروجاً عن الثوابت القانونية والميثاقية، فضلاً عن كونه قراراً لا يمكن أن يُتخذ بشكل أحادي، بل يفترض إجماعاً وطنياً غير متوفر.
الأخطر أن هذا المسار يأتي مترافقاً مع محاولة إعادة إنتاج واقع ما بعد اتفاق وقف إطلاق النار في 27-11-2024، ذلك الواقع الذي كُرّس بفعل تنازلات متتالية وقرارات خاطئة، وأتاح للعدو تثبيت معادلات ميدانية وسياسية على حساب السيادة اللبنانية. العودة إلى هذا النموذج لا تعني سوى تكريس الخلل نفسه، ومنح العدو فرصة جديدة لترسيخ وقائع لم يتمكن من فرضها بالقوة.
وفي موازاة ذلك، يجري الترويج لفكرة أن التفاوض هو المدخل إلى وقف إطلاق النار. غير أن الوقائع تشير إلى عكس ذلك تماماً. فكل المؤشرات تؤكد أن أي تهدئة في هذه المرحلة ترتبط أساساً بمسار التفاهمات بين إيران والولايات المتحدة، والتي تضمن وقف إطلاق النار في لبنان، إضافة إلى ثبات محور المقاومة وقدرته على فرض معادلات الردع. أما الرهان على اندفاعة تفاوضية متأخرة، فقد أثبتت التجربة السابقة عقمه، لا سيما خلال خمسة عشر شهراً من الدبلوماسية التي لم تفضِ إلا إلى مزيد من الاعتداءات، في ظل رفض العدو أصلاً التفاوض مع الدولة اللبنانية عندما بادرت إلى ذلك خلال العدوان.
إن تسليط الضوء على فشل المسارات الدبلوماسية السابقة ليس ترفاً، بل ضرورة لتفادي تكرار الأخطاء. فالرهان على الضغوط الأميركية والدولية لم يؤدِ إلى حماية لبنان، بل على العكس، وفّر غطاءً لاستمرار الاعتداءات، ما يفرض إعادة النظر جذرياً في المقاربة السياسية المعتمدة.
وفي هذا السياق، تبدو المفارقة صارخة. فبينما يمعن العدو الإسرائيلي في تنفيذ مخططاته على الأرض—من تدمير ممنهج للقرى الجنوبية، إلى العمل على إقامة منطقة عازلة، وصولاً إلى استخدام أسلحة محرّمة كالفوسفور ورشّ المبيدات السامة لتدمير الحياة الزراعية—تتراجع الدولة عن دورها في المواجهة السياسية والقانونية. هذه الأفعال، التي صنّفتها منظمات دولية كجرائم حرب، كان يفترض أن تُقابل بحراك دبلوماسي وقانوني ضاغط في المحافل الدولية، لا بالانزلاق نحو طلب التفاوض المجاني مع المعتدي.
إن توصيف المسار التفاوضي المطروح لا يحتمل التخفيف في العبارات. نحن أمام تنازل سياسي خطير وخطيئة تُرتكب في توقيت معاكس لمصلحة لبنان، بعد أن نجح شعبه ومقاومته في تعطيل أهداف العدو ومنع فرض وقائع جديدة. وكان يفترض أن يُترجم هذا الإنجاز برفع سقف المطالب، لا بخفضها.
وعليه، فإن إعادة تثبيت البديهيات تصبح ضرورة وطنية: مطالب لبنان ليست مواضيع تفاوض، بل حقوق سيادية غير قابلة للمساومة. في مقدمتها وقف العدوان الشامل، والانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية، والإفراج عن الأسرى، وعودة الأهالي إلى قراهم، وبدء عملية إعادة الإعمار. هذه حقوق لا تُقايض، ولا يُمنح العدو مقابلها أي ثمن سياسي. أما ما يتصل بالشؤون الداخلية، فهو شأن سيادي بحت، لا يحق لأي جهة خارجية التدخل فيه أو فرض شروط عليه.
في المحصلة، لا يدور النقاش حول التفاوض كأداة، بل حول موقع لبنان في هذه المعادلة: هل يدخل من موقع من صمد وفرض معادلاته، أم من موقع من يُطلب منه أن يقدّم التنازلات؟
بين الخيارين، تتحدد ليس فقط نتائج المرحلة المقبلة، بل معنى السيادة نفسه.