«الحاج محمد عفيف.. حين تحوّلت الكلمة إلى سلاح في مواجهة نتنياهو والعدوان الإسرائيلي»

 

على مشارف الذكرى السنوية لاستشهاد الإعلامي الكبير والقائد الجهادي الحاج محمد عفيف النابلسي، ووفاءً لمسيرته وتخليداً لإرثه الإعلامي والجهادي، استقبلت شوارع عدد من المدن اللبنانية صوره، لتستعيد ملامح رجلٍ لم يكن مجرد إعلامي ينقل أخبار المواجهة، بل كان صوتاً حاضراً في قلب المعركة، ووجهاً من وجوه الثبات في مواجهة العدو الإسرائيلي.

الحاج محمد عفيف، الذي حمل راية المقاومة في وجدانه وعقله وروحه، لم يتعامل مع الإعلام بوصفه مهنةً فحسب، بل باعتباره ساحة مواجهة ومسؤولية وطنية وأخلاقية. ومن خلال كلماته ومواقفه وإطلالاته الإعلامية، استطاع أن يحوّل المنبر إلى مساحة لمقارعة الرواية الإسرائيلية، وكشف حقيقة العدوان، ومواجهة محاولات التضليل والترهيب التي مارسها الاحتلال.

لقد شهدت شوارع الضاحية الجنوبية ومبانيها، كما شهدت ساحات المواجهة، على مرحلة من أشد مراحل العدوان الإسرائيلي قسوة، كان فيها الشهيد محمد عفيف حاضراً بصلابة الموقف وشجاعة الكلمة، غير آبهٍ بتهديدات العدو ووعيده. وقف أمام آلة الحرب الإسرائيلية، ووجّه رسائله بوضوح وثبات، في وقتٍ كان فيه كثيرون يختارون الصمت أو التراجع أمام مشهد الدمار والتهديدات.

ولعل ما ميّز الشهيد القائد أنه لم يكن يكتفي بنقل الوقائع، بل كان جزءاً من معركة الوعي والإرادة، مدركاً أن الكلمة الصادقة قد تكون في لحظات المواجهة بمستوى أهمية الميدان، وأن الإعلام المقاوم لا يقلّ مسؤولية عن أي موقع آخر في مواجهة الاحتلال ومشاريعه.

وفي مواقفه التي واجه بها بنيامين نتنياهو والقيادة الإسرائيلية، تجلّت شجاعة رجلٍ لم تمنعه التهديدات من قول ما يؤمن به، ولم تدفعه محاولات الترهيب إلى التراجع عن أداء رسالته. فقد بقي ثابتاً في خطابه، واضحاً في مواقفه، ومتمسكاً بحق المقاومة في مواجهة الاحتلال، حتى بات اسمه حاضراً في ذاكرة المواجهة الإعلامية بوصفه نموذجاً للإعلامي الذي لم يفصل بين قناعته ومسؤوليته.

إن استشهاد الحاج محمد عفيف لم يكن غياباً لشخصية إعلامية عابرة، بل شكّل خسارة لقامة جمعت بين الحضور الإعلامي والالتزام الجهادي والوفاء لقضية المقاومة. غير أن الاغتيال، مهما بلغت وحشيته، لا يستطيع أن يمحو أثراً صنعته المواقف، ولا أن يغيّب صوتاً ترك في الذاكرة كلماتٍ ومشاهد ستبقى شاهدة على مرحلة من تاريخ المواجهة.

واليوم، مع اقتراب ذكرى استشهاده، لا تعود صوره إلى الشوارع بوصفها مجرد لافتات تذكارية، بل بوصفها استحضاراً لسيرة رجلٍ اختار أن يكون في موقع المواجهة، وأن يحمل الكلمة مسؤوليةً وموقفاً، وأن يبقى وفياً لما آمن به حتى اللحظة الأخيرة.

محمد عفيف لم يكن مجرد صوتٍ للمقاومة، بل كان شاهداً على مرحلة، وصاحب موقف في زمن التهديد، ورمزاً لإعلامٍ لم تنجح الاغتيالات في إسكات رسالته. فالرجال الذين تخلّدهم مواقفهم لا يغيبون برحيلهم، بل تتحول سيرتهم إلى ذاكرةٍ تحفظها الأجيال.