الخطاب المدرسة

 

بقلم علي خيرالله شريف:

 

في الذكرى السنوية الرابعة لاستشهاد قادة المحور الحاج قاسم س-لي-ما-ني والحاج أبو مهدي المهندس، وفي عَبَقِ الشهادة الذي فاح عطراً ونصراً من ارتقاء القائد الشيخ صالح العاروري ورفاقه من المجاهدين الأبطال وكل الشهداء في كرمان وغزة واليمن ولبنان والعراق، وفي أجواء الحزن على رحيل أحد القادة المؤسسين لح. الله الحاج محمد ياغي، أطل سماحة السيد حسن نصر الله بخطابٍ يليق بالشهيدين اللذين عُرِفا بعقلهما الاستراتيجي، وبالشهداء كافَّة منارات القافلة، ويليق بالمتحدث الغني عن التعريف بعقله الاستراتيجي الذي غَيَّرَ وَجهَ الـمَنطِقة.

يمكن لنا أن نطلق على خطاب سماحته كل الأوصاف التي تعبر عما تَضَمَّنَهُ من تحليل وتشريح للأحداث التي تجري في المنطقة، وَتُفَنِّدُ حيثياتها بحسب جغرافيتها وتأثيرها وأبعادها. إنه خطاب غنيٌّ جداً وشاملٌ جداً واستراتيجيٌّ جدّاً، يصلح لأن يكون مدرسة للأذكياء الراغبين بتعلُّم قواعد التحليل والربط واستنتاج الخلاصات والعبر. لقد وضع سماحتُهُ أمام الـمُستَمِع والقارئ والمشاهد، خريطةً تُمَكِّنُهُ مِن فَهمِ ما يجري في المنطقة والعالم، والبناء عليه وَتَوَقُّع نتائِجِه، لكي لا تلتبس عليهم الأمور في ظل الأضاليل والبروباغندا التي تضخُّها بعض الجهات عن دور دول المحور وعلاقتها ببعضها، وعن ملحمة طوفان الأقصى التي كسرت شوكةَ الكيان إلى غير رجعة، وجعلته يعيش فترة ما قبل الزوال.

قدم سماحته أهم إنجازات الشهيد قاسم سليماني الاستراتيجية، فأَورَدَ عنوانين رئيسين عن الدور الاستثنائي الـمُبدِع للشهيد في إنشاء محور المقاومة:

١. العنوان الأول كان عن دعم الشهيد سليماني لحركات المقاومة، ما أوصلها إلى الاكتفاء الذاتي في مختلف مجالات حاجاتها التسليحية وغير التسليحية، فأسس بذلك لنمط جديد من التعامل أرقى وأسمى من الأنماط المعروفة عالمياً وتاريخياً والقريبة من أسلوب الهيمنة والاستعباد. وهذا النمط “السليماني” يحفظ كرامة حركات التحرر واستقلاليتها، ويقوي عُودَها ويجعلُها حُرَّةً وأكثر فعالية واستمرارية، ويُكسِبُها ثقة بيئتها. وهذا أدَّى إلى لا مركزية القرار في المحور، وإلى ازدياد قوته وتعاظم الثقة المتبادلة بين مكوناته(التنظيمات والدول والشعوب)، وأثمر، بعد عقدين من العمل الدؤوب، ما نشهده حالياً في غزة من إنجازات وانتصارات، وما وصلت إليه ال-مق-او-مة في لبنان والعراق واليمن وسوريا من مِنعَةٍ وقوة وصلابة.

٢. العنوان الثاني هو أن الحاج س-لي-ما-ني أوجد الارتباط الوثيق والمباشر فيما بين حركات المقاومة ودُول المحور دون إلزامية المرور عبره. وهذا عمل إبداعي وشاهد صدقٍ وإخلاصٍ من قِبَلِه اتجاه تلك الحركات، وهو أيضاً سر قوتها. فكُلُّ شيء واضح أمام الجميع، وكل جهة هي حرة بذاتها بما ينسجم مع خصوصياتها الجيوسياسية والديمغرافية.

قدَّمَ سماحة السيد جردة بالنتائج التي تحققت بفضل طوفان الأقصى، وسيكون لتلك النتائج التأثير الكبير على المنطقة بأكملها في المستقبل القريب والبعيد، بشهادة المفكرين العرب والغربيين وحتى الصهاينة أنفسهم، وأهم هذه النتائج:

تم إسقاط الرهان الصهيوني على تعب الفلسطينيين وتخليهم عن قضيتِهِم. وتم إعادة إحياء القضية، ما أدى إلى ارتفاع مستوى التأييد الشعبي لخيار المقاومة لحلِّها، بعد أن عمل الغرب والعرب على مدى عقود من الزمن على إسقاط هذه القضية من الوجدان العربي والعالمي.

على صعيد كيان العدو تم توجيه ضربة قاسية للتطبيع معه، وتم إسقاط صورة “إسرائيل” في العالم، التي عمل على تجميلها الإعلام الغربي على مدى عشرات السنين. حتى الشعب الأميركي غَيَّر موقفه منها، وبَيَّنَت استطلاعات الرأي أن أكتر من 50 بالمئة من الأميركيين يطالبون باعادة فلسطين لأهلها وإعادة اليهود إلى أوطانهم التي أتوا منها.

كما تم تهشيم الردع الإسرائيلي ما أفقده أي قدرة على تشكيل عامل ردع للمقاومة على امتداد المحور. ففشِلَ سلاح الجو في تحقيق أي إنجاز عسكري، وأُسقِطَ التفوق الاستخباري الذي كان يتميز به الكيان، ما جعله مرتبكاً ضائعاً، ومصاباً بالعمى التام لا يفهم ماذا يعصف به من طوفان.

واستشهد سماحة السيد بما خَلُصَت إليه لجنة فينوغراد بعد حرب تموز 2006 عندما أوصت بعدم شَنِّ أي حرب إلا على “قاعدة نصر سريع وبَيِّن وحاسم وواضح”. ولكن الذي حصل في معارك طوفان الأقصى، ونحن على مشارف اليوم التسعين من بدايته، أن العدو لم يستطع تطبيق تلك القاعدة، بل فشل في تحقيق أي هدف من الأهداف التي أعلنها وزير حربه وهي القضاء على حماس وتحرير الأسرى وتهجير الغزاويين. فعمد العدو إلى ارتكاب آلاف المجازر بالأطفال والمدنيين للانتقام من فشله المتكرر. هذا علاوةً على فشل خطته التي كان ينوي مباغتَة المحور بها للقضاء على كل فصائله في لبنان وفلسطين وغيرهما. كل هذا الفشل الذي وقع فيه العدو أدَّى إلى انعدام ثقة مواطنيه بالجيش والأمن والقيادات، وهذا يمس جوهر وجود الكيان، لأن هذا الجوهر ليس قائماً على صِلَةِ المستوطنين بأرضٍ ليست لهم، بل هو قائم على ركائز ثلاثة هي الجيش والأمن والقيادات، وبما أن الثقة بتلك الركائز قد تزعزعت، فهذا يعني أن الكيان فَقَدَ ركائز وجوده، وأن المستوطنين باتوا غير مستعدين للبقاء في فلسطين، وبات المشهد كما تفضل سماحة الأمين العام هو “حزم الحقائب وازدحام على تذاكر السفر وتسارُع المبادرة إلى الرحيل”.

من ناحية أخرى أوضح سماحة السيد أنه تم كسر صورة “إسرائيل” الـمُقتدِرة التي تقدم نفسها حامية للأنظمة العربية، وأصبحت هي بحاجة لمن يحميها، وقد علمنا جميعاً باستنجادها بالأساطيل والبوارج والجسور الجوية والبرية من الغرب والأعراب، الذين تداعوا إلى إنقاذها من الطوفان.

أما عن خسائر الكيان فقد كانت كبيرة جداً، وما زالت تتعاظم؛ خسائر عسكرية من آليات ومعدات، أو خسائر بشرية من حيث العدد الكبير للقتلى، للمرة الأولى في تاريخهم، ما جعل الأميركيين يطلبون منهم الانسحاب من مُدُن قطاع غزة للتخفيف من خسائرهم(والفلسطينيون يتمنون بقاءهم داخل الـمُدُن ليَسهُلَ اصطيادُهم). والحديث يطول عن العدد الكبير للجرحى والمصابين بالأزمات النفسية الذين بلغوا أكثر من ثلاثمئة ألف، يضاف إليهم مئات الآلاف من المغادرين للاراضي الفلسطينية، ومئات الآلاف من النازحين من غلاف غزة ومن أكثر من سبعين مستوطنة قريبة من الحدود اللبنانية(حوالي 230 ألف نازح). أما الوضع الاقتصادي فقد بلغت خسائر العدو عشرات مليارات الدولارات للمرة الأولى في تاريخه، بالإضافة إلى الخسائر الاقتصادية والسياحية الناجمة عن الطوفان وعن منع اليمن للسفن المتجهة إلى كيان العدو عبر البحر الأحمر وبحر العرب وباب المندب. وإذا نظرنا إلى داخل الكيان، فإن هذا الكم الهائل من الفشل على كل الأصعدة، عَمَّقَ انقساماتِهم الداخلية، ما يُسهم بشكلٍ كبير في تَفَكُّكِ الكيان وتلاشيه.

وبالحديث عن الأضرار التي لَحِقَت بِكِيان الولايات المتحدة الأميركية، فهنا كانت الفضيحة الكبرى، حيث باتَ واضِحاً للعالم أن أميركا هي التي تتحدى المجتمع الدولي وليس غيرُها، وهي التي تنتهكُ القوانين الدولية وتُعطِّلُ تطبيقها، وهي التي تهدد السلام العالمي وتشعِلُ الحروب وتثير الفتن، وما استعمالها لحق الفيتو لمنع اتخاذ قرار في مجلس الأمن بوقف النار في غزة، إلا دليلٌ إضافي على حقيقة أميركا هذه. وهذا دليلٌ إضافي على حقيقة راسخة يجب أن يعلمها الجميع، خاصةً في لبنان، أن المؤسسات الدولية والقوانين الدولية، هي غير قادرة على حماية أحد، بل هي غير قابلة للتطبيق بسبب غطرسة الولايات المتحدة الأميركية وربيبتها “إسرائيل”. وليتخلَّص البعض من عمى القلب ومن عمى البصر والبصيرة، ولتيعلموا القاعدة التي تقول: “لا يحميك الا قوتك وسلاحك وشجاعتك، وهذا فقط يُمَكِّنُكَ مِن فرض احترامك على العالم وتحصين بلادك من العدوان، وليس المجتمع الدولي ولا القوانين الدولية”.

وفي ختام الخطاب أشار سماحة السيد حسن نصر الله بشكلٍ مُقتَضَب إلى غيضٍ من فيض الإنجازات التي تحققت بفتح الجبهة اللبنانية بشكلٍ حكيمٍ ومدروس، يوائِمُ بين الرؤية الاستراتيجية وبين الوضع الحساس للداخل اللبناني، وأهم تلك الإنجازات: تخفيف الضغط بشكلٍ كبيرٍ عن أهلنا في غزة، وإفشال خطة العدو وإفقاده عنصر المفاجأة بتوجيه ضربة ساحقة للم-قا-ومة على كل الجبهات. وختم سماحة السيد بكلمةٍ عن حادثة اغتيال القائد صالح العاروري، على أن يتكلم أكثر عن الموضوع يوم الجمعة القادم، واصفاً عملية الاغتيال بالخطيرة جداً بنوعية الشخصيات المستهدفة وبرمزية الضاحية مكان الاستهداف. فأشار سماحتُه إلى أن الحرب معنا ستكون مُكلِفة جداً للعدو، ولا يمكن السكوت عن الجريمة، ولا نحتاج للكثير من الكلام، إنما بيننا وبين العدو، الميدان والأيام والليالي. وعندما يقول سماحة السيد نصرالله بيننا الميدان والأيام والليالي، سيتوجب على العدو أن يقف هذه المرة على رجلٍ واحدة وليس على رجلٍ ونصف.

 

*الجمعة 5 كانون الثاني 2024*