‏العقاب الإيراني التأديبي.. عملية بحجم رد ونتائج بحجم حرب

 

كتب الاستاذ محمد خليفة:

بعد تحديد مُرتكب جريمة الهجوم على القنصلية الإيرانية في دمشق وحصرها بالعدو الإسرائيلي، استبقت إيران تنفيذ تهديدها بالانتقام بخطوتين رئيسيتين. الأولى، محاولة الحصول على قرار بإنهاء حرب الإبادة في غزة لقاء عدم القيام بالرد، ولكن المُقترح لم يلقَ تجاوباً. الثانية، عملت إيران على الحصول على قرار بإدانة العدوّ من مجلس الأمن ومعاقبة المسؤولين عن الجريمة لكون إيران عضو في منظمة الأمم المتحدة ومعنية بمراعاة القوانين والاتفاقيات التي هي جزء منها، وحيث أنها لم تلقَ أي تجاوب مع هذه المحاولة أيضاً، وفَشِلَ مجلس الأمن –وكالعادة– في القيام بمهامه وتحمّل مسؤولياته وفي مقدّمتها حفظ الأمن والسلم الدوليين، مُنحازاً بذلك الى الجاني بحكم موازين القوة، أصبح لزاماً على المُعتدى عليه الرد مُتسلحاً بحق الدفاع عن النفس وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.

وعليه، انتقلت إيران الى مرحلة التنفيذ، بعد أن تمّ تحييد حلفاء العدوّ الدوليين والإقليميين الذين يُتوقع منهم مساندة العدوّ أثناء الهجوم، وهذا ما حصل حيث اتى الرد-العقاب بمواصفات عالية الجودة، وتكلفة باهظة على العدوّ على غير صعيد، وهنا يمكن الإشارة الى ما بلي:

•تنفيذ التهديد بالرد-العقاب من قبل إيران، والايفاء بالوعد من خلال عملية “الوعد الصادق”، والذي أتى على نحو أكبر من ردّ تكتيكي وأقلّ من إعلان حرب، وبالتالي دحض كل التوقّعات المشبوهة والمُغرضة والمشككة بإرادة إيران (قيادةً وشعباً) بالرد والثأر للشهداء القادة.

•كسر قواعد الإشتباك بين الكيان المُؤقت والجمهورية الإسلامية من خلال تسجيل سابقة بشن هجوم على الكيان الإسرائيلي من الأراضي الإيرانية هو الأول من نوعه منذ نشأة هذا الكيان، وما لذلك من تداعيات على الكيان الصهيوني.

•تهشيم صورة الردع الاسرئيلي – وبالتبعية الأميركية – والتي لطالما كانت مفخرة الكيان منذ نشأته وبغضّ النظر عن حجم الخسائر والأضرار المادية والبشرية والمادية، وسواء تمّ الإعلان عنها أو التكتّم عليها.

•تفوّق العقل والإبداع الإيراني من حيث التخطيط والتنفيذ وتراكم الخبرات على أعدائه مع عدم قدرة العدوّ ومعه حلفاؤه وفي مقدمتهم أميركا على افشال الهجوم مع العلم المُسبق به.

•الزمان والمكان المناسبين وبالعقل البارد لن يكونا إلا وفق التوقيت والتخطيط الإيرانيين، وبما يخدم الأهداف بأقل مخاطر وتداعيات ممكنة.

•الجُرأة في اتخاذ القرار والذهاب للتنفيذ، جعلت الكيان برمته يدفع الثمن المعنوي الباهظ – بالإضافة الى الثمن مادي- من أمنه وهيبته وسمعته التكنولوجية والعسكرية وهذا له ما بعده من نتائج استراتيجية في حساب التقدّم بالنقاط لصالح القضية الفلسطينية والمحور، ليس أقلها تنامي الهجرة المعاكسة، والخسائر في صفقات الأسلحة والتكنولوجيا بالإضافة الى هروب رؤوس الأموال والاستثمارت وغيرها بعد فقدان الأمن وثقة المستهلكين و غيرها، وهذا ما يحتاج للقادم من الزمن للتجلي أكثر وأكثر.

•للرد-العقاب الذي تم، نتائج كارثية على طريق تراجع الكيان بالمعنى الوجودي، حيث أن ما جرى سيُزخّم بتداعياته تعاظم محور المقاومة المُتنامي بشكل مضطرد لاسيّما بعد إغتيال القائدين سليماني والمهندس مطلع العام 2020 والذي يشهد العالم نتائجه منذ عملية السابع من أكتوبر وما بعدها من إنجازات للمحور.

بناءً على ما تقدّم، ثمة أسئلة تطرح نفسها، هل وصل قادة العدو الإسرائيلي الى هذه الدرجة من الغباء وسوء التقدير للردود المتوقعة على جرائمهم وانعكاساتها على الكيان؟ أم أنّ المارد الإيراني كان أكبر بما لا يُقاس من التوقّعات؟ أم الأمرين معاً؟