كتب الأستاذ علي خيرالله شريف:
انهضوا وقوفاً وافتخروا، بل أدُّوا التحيةَ تعظيماً وتبجيلاً، ثمَّ اشمخوا عِزّاً وكرامة. إنها نِعمَةٌ ربَّانِيَّة لم ينلها إلّا ذَوو حظٍّ عظيم، أو مَن حَلَّت عليهم بركاتُ السموات والأرض بعد أن باعوا جماجمهم لله وثبَّتوا في الأرضِ أقدامَهُم ورموا بأبصارِهِم أقصى القوم، حيث بوابةُ الانتصار. وهذه البَرَكاتُ بالذات كُنَّا نفتقِدُها في لبنان والعالم العربي، بل وفي العالم الإسلامي قاطبةً، منذ عشرات بل مئات السنين، ولِتَحديد المهلة بِدِقَّة قد نحتاجُ إلى جَدَلِيَّةٌ خاصة تحمل آلافَ الدروسِ والعِبَر.
قليلون يسلطون الضوء على هذا النورِ الخاطفِ للأبصار، وقد نَعذُرُهُم لأنَّ الإنسان الذي يمشي في وضحِ النهار، غالباً ينسى فضلَ الشمس وهي تُضيءُ لَهُ الكونَ الذي يحتَضِنُه، فيَستَمتِعُ بأنواره اللامتناهية. وقد نعذُرُهُم أيضاً إن هُم عَجِزوا عن إدراكه لِشدة سطوعه الذي أبهر عُقولَهُم وألبابَهُم حتى قصُرت عن كُنهِ معرفَتِه وَعن احتِواءِ حجمه اللامحدود.
تعالَوا نَتَأمَّل في ما حصل…
خيمتان نُصِبَتا على الحدود، منزوعتا السلاح إلا من بِساطٍ وغطاءٍ، وسراجٍ يناغي نجوم الليل… فَدبَّ الرعبَ في كلِّ الدبابات والدروع والمدافع والقنابل العنقودية، والصواريخ والأسلحة النووية، والطائرات والمطارات والقواعد العسكرية… كُلُّها ارتجفت من الخيمتين، والأغطيةِ والسِراجَين.
ارتجفت ثم أرعدت وأزبدت وهددت. ثم شغَّلَت هيئَةَ الأُمَم والبيتَ الأبيض والكونغرس وسَيَّرَت وزراء الدبلوماسية والمبعوثين وسفراءَ السلاطين. ولسان حالها: اقتَلِعوا الخيمتين قبل أن نفعل ونضرب ونقصف، و..و..و… وإن لم تقتعلوهما فسنرد عليكم بكذا وكذا وكذا…. إلى أن بلغ ردُّهُمُ الموعود حدودَ “فسنرد في الزمان والمكان المناسبين”.
والخيمتان صامتتان، تُشعِلانِ موقداً صغيراً من الحطب في ظلامِ الليل، وتطبُخانِ عليه الشاي “الأُكرُك عَجَم”، ثم ينام الشباب قاطنوهما في آخر السهرة مِلئَ جفونهم، ليستيقظوا عند صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، وزقزقة العصافير التي تجمعت حول المشهد، راحت تُسَبِّحُ الرحمن وتترغل قصائد التَغنّي والتباهي والثناء على ذلك الحَمَلُ الذي بات أسداً غضنفر، وتستهزئً بالذئب الذي بات ثعلباً جباناً لا يجرؤ على الظهور أمام الخيمة حتى مُتَسَتِّراً بِجُحرِهِ الحديدي.
حتى شعاعات الشمس راقصت أوراق الشجر عند الشروق وكأنها تعزف سمفونية النصر وتتنفس نسائم الاستقواء بالخيمتين أمام الغطرسة كلها وأمام عتاة امبراطورية الشيطان كلهم.
يا للخيمتين اللتين تُعادِلانِ كُلَّ جيوش العرب، بل أشدُّ بأساً ورهبةً وجبروتاً.
ثم يخرج من هنا وهناك، أبطالٌ تويتريون وفيسبوكيون ومن رُوَّاد التيك توك وأبواق الشتم عن بُعد، ومن ذوي ألقاب السعادة المنقوصة، وحملة الصليب المشطوب الذين يشوهون صورة السيد المسيح(ع)، لِيَتَقَيَّأوا قذاراتِهم وشتائمَهُم وتحريضَهُم، وليقرعوا طبولِهِم الغوغائية للحرب الأهلية، المسموعة إلا من سكان الخيمتين الذين لا يرَونهُم، ولا يكترثون بهم ولا يكترثون بقادتهم من ممتهني مهنة التبصير والتنجيم، والمتعنترين على مزابِلِهم، والمنفوخين كما الضفدع الذي أراد أن يصبح ثوراً، فانفجر هباء منثورا…
ورغم حماقاتِهِم وأحقادهم، لا نبخل عليهم بالنصيحة أن هَدِّئوا من روعِكُم، وشاهدوا معنا لبنان بعين القوة وليس بعين الضعف.
هل ترون ما أعظم هذا المشهد؟ لقد هدَّدوا وتَوَعَّدوا وزمجروا، وفي النهاية رضخوا وأعلنوا انسحابهم من الأرض التي هم لها مغتصبون.
وما أكثر العبرة في شرطهم حين قالوا: ننسحب إن سَحَبَ ح. الله الخيمتين.
نعم إلى هذا الحد بِتنا أقوياء بفضل أصحاب الخيمتين… وقوَّتنا لم يبلغها أحدٌ من قبل، من العرب ولا من الفينيقيين.
ما أعظم المشهد، وما أعظم العزة التي بلغناها نحن اللبنانيين.. فبعد أن استطاع ح. الله أن يحرر الجنوب بسنين طويلة وآلاف الشهداء في العام ألفين وانتصر ما قبل وما بعد الألفين، ها هو اليوم يُحَرِّرُ الأرضَ بخيمتين.
أعيدوا المشهد في أذهانِكُم وتأمَّلوا؛
وتصوروا أنفسكم أيها اللبنانيون، من كل الطوائف والمشارب والاتجاهات، في أي مستوى من القوة أنتم اليوم… هي القوة التي لم يكن كل العرب يحلمون بها.
أمام الامبراطورية الأطلسية التي تمثِّلُ الشر كلَّه والطُغيان كُلَّه وانتهاك حقوق الإنسان كلِّها، انتصرت امبراطورية الخيمتين بما تمثل من إرادةِ الخير كلِّه ومن شموخ العزة والكرامة كُلِّهِما، وبقي الصغار صغاراً، يتلهون بالقشور، ولا يغيرون من الواقع سوى ثيابَهُم في الاستعراضات وسراويلَهم في الملمات.