لمنع الانفجار الداخلي وإسقاط رهانات الاحتلال.. الرئيس «بري» في مهمة احتواء ساخنة

 

| فراس فرحات | كاتب وباحث سياسي

 

في مشهد لبناني تزداد فيه التعقيدات السياسية والأمنية، تتجه الأنظار إلى الدور الذي يؤديه رئيس مجلس النواب نبيه بري في محاولة ضبط الإيقاع الداخلي ومنع الخلافات من التحوّل إلى أزمة مفتوحة، خصوصاً في ظل الضغوط المتصاعدة التي تستهدف إعادة رسم التوازنات الأمنية في لبنان، بالتوازي مع استمرار التهديدات الإسرائيلية واحتمالات توسّع العدوان على الجنوب.

ومن هذا المنطلق، يتحرك بري لإعادة تنشيط التواصل بين رئيس الجمهورية جوزاف عون وحزب الله، في مسعى لتقريب وجهات النظر وتخفيف حدة التباينات التي بدأت تنعكس على المشهد السياسي. ويبدو أن رئيس المجلس يراهن، كما في محطات سابقة، على قدرته في إدارة الملفات الشائكة وابتكار المخارج السياسية التي تتيح تجاوز العقد، من دون دفع الأطراف إلى خيارات تصعيدية قد تكون تداعياتها أكبر من حجم الخلاف نفسه.

وتكتسب هذه المبادرة أهمية خاصة في ظل حساسية المرحلة، حيث يتداخل المسار الداخلي مع حسابات خارجية تضغط باتجاه حصر السلاح، فيما لا تزال الأراضي اللبنانية عرضة للاعتداءات الإسرائيلية والتهديدات المستمرة. وهذا ما يجعل معالجة ملف المقاومة أكثر تعقيداً من مجرد نقاش سياسي أو دستوري، إذ يرتبط بصورة مباشرة بمسألة الدفاع عن السيادة وتوفير عناصر القوة اللازمة لمنع الاحتلال من فرض وقائع جديدة على الأرض.

أما التطور الذي أعاد رفع منسوب التوتر، فكان قضية شحنة المتفجرات التي ضُبطت عند حاجز ضهر البيدر، والتي أقرّ حزب الله بملكيتها، مطالباً باستعادتها والإفراج عن الموقوفين، على أساس أنها مخصصة لمواجهة القوات الإسرائيلية. وقد أخذت القضية منحى أكثر حساسية مع انتقالها إلى المسار القضائي وصدور مذكرتَي توقيف وجاهيتين بحق الموقوفين، الأمر الذي أضاف بُعداً جديداً إلى التباينات القائمة بين الحزب وبعض مؤسسات الدولة.

إلا أن خطورة المرحلة تفرض عدم السماح لهذا الملف، أو لغيره من القضايا الخلافية، بأن يتحوّل إلى مدخل لتوسيع الشرخ الداخلي. فلبنان يقف أمام تحديات تتجاوز حدود التجاذب السياسي، والعدو الإسرائيلي لا يخفي أطماعه ومشاريعه التوسعية، ما يجعل أي اهتزاز في الاستقرار الداخلي فرصة إضافية أمامه لاستثمار الانقسامات وتحقيق مكاسب لم يتمكن من فرضها بالقوة.

وهنا تحديداً يظهر ثقل الدور الذي يستطيع الرئيس بري القيام به، باعتباره أحد أبرز الشخصيات القادرة على التواصل مع مختلف الأطراف واحتواء الأزمات عبر تدوير الزوايا والبحث عن تسويات تحفظ التوازنات وتمنع الانفجار. فالمطلوب في هذه اللحظة ليس تسجيل النقاط السياسية أو الذهاب إلى مواجهات داخلية، بل إيجاد أرضية تفاهم تسمح بإدارة الاختلافات من دون المساس بوحدة الموقف الوطني في مواجهة التهديد الإسرائيلي.

وفي المقابل، فإن أي مقاربة لمستقبل السلاح في لبنان لا يمكن أن تتجاهل واقع الاحتلال واستمرار اعتداءاته، ولا أن تتعامل مع المقاومة وكأنها تفصيل منفصل عن معادلة حماية الأرض والسيادة. فوجود قوة ردع قادرة على منع العدو من الاستفراد بلبنان يبقى عنصراً أساسياً في أي نقاش جدي حول الأمن الوطني، على أن تكون معالجة الملفات الخلافية من خلال الحوار والتفاهم، لا عبر الضغوط أو فرض الوقائع.

إن المرحلة الراهنة تحتاج إلى مقاربة سياسية مسؤولة، يتقدم فيها منطق التفاهم على حسابات المواجهة، وتتكامل فيها مؤسسات الدولة مع ضرورة الحفاظ على عناصر القوة التي تحمي البلاد. ومن هنا، فإن نجاح مساعي بري في إعادة فتح قنوات التواصل وتخفيف التوتر قد يشكّل مدخلاً ضرورياً لتحصين الساحة اللبنانية، وقطع الطريق على محاولات تحويل الخلافات الداخلية إلى فرصة مجانية أمام الاحتلال.