ترمب أمام «القرار الكبير».. إيران بين صفقة أميركية وحسابات المواجهة

ترمب أمام «القرار الكبير».. إيران بين صفقة أميركية وحسابات المواجهة

| فراس فرحات | كاتب وباحث سياسي

في تصريحات تعكس حجم التعقيد الذي بات يحكم الموقف الأميركي تجاه إيران، وضع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ما وصفه بـ«القرار الكبير» أمام مسارين متناقضين: إبرام اتفاق مع طهران يتيح لها التحول إلى «دولة أعظم بكثير»، أو الذهاب نحو خيار أكثر تصعيدًا بهدف إنهاء الملف الإيراني بالقوة.

ترمب، الذي أكد أن واشنطن ستنهي الموضوع مع إيران «بطريقة أو بأخرى»، قال إن الإدارة الأميركية منحت طهران فرصًا متعددة للتوصل إلى اتفاق، متحدثًا عن عرض يقوم على التعاون الاقتصادي مقابل إنهاء البرنامج النووي وما تصفه واشنطن بدعم الإرهاب.

لكن هذه التصريحات تكشف في الوقت نفسه أن المقاربة الأميركية للملف الإيراني تتجاوز القضية النووية وحدها، إذ تحاول واشنطن ربط أي تسوية بمجموعة أوسع من الملفات، من النفوذ الإقليمي إلى القدرات العسكرية والسياسة الخارجية الإيرانية. وهذا ما يجعل التفاوض بين الطرفين محكومًا بسقف مرتفع من المطالب، ويجعل الوصول إلى اتفاق شامل وسريع أكثر تعقيدًا.

حديث ترمب عن إمكانية «القضاء تمامًا» على إيران، بالتوازي مع إبقاء باب الاتفاق مفتوحًا، يعكس اعتماد واشنطن على مسارين متوازيين: الضغط والتهديد من جهة، والدبلوماسية والتفاوض من جهة أخرى.

فالولايات المتحدة تحاول من خلال العقوبات والضغوط السياسية والعسكرية تحسين موقعها التفاوضي، فيما تسعى في المقابل إلى إبقاء المسار الدبلوماسي قائمًا باعتباره مخرجًا ممكنًا من المواجهة.

إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في أن سقف المطالب الأميركية لا يقتصر على البرنامج النووي، بل يمتد إلى ملفات تعتبرها طهران جزءًا من أمنها القومي وموقعها الإقليمي، الأمر الذي يجعل أي تفاوض محكومًا بحسابات تتجاوز حدود الاتفاق النووي التقليدي.

كما استعاد ترمب في تصريحاته لغة الصراع الإقليمي، معتبرًا أن إيران كانت «المتنمرة في الشرق الأوسط» ولم تعد كذلك، ومتحدثًا عن تدخل الولايات المتحدة لمنع ما وصفه بـ«الكابوس» في المستقبل، في وقت أشار فيه إلى استهداف منشآت نووية إيرانية خلال عام 2025.

في المقابل، تؤكد إيران أن خيار التفاوض يمكن أن يفتح الباب أمام تهدئة إقليمية، لكنه لا يعني القبول بصيغة تقوم على الإخضاع أو فرض الشروط من طرف واحد.

وتتعامل طهران مع أي تهديد عسكري باعتباره جزءًا من معادلة أوسع، مؤكدة أن أي تحرك أميركي سيقابل برد حازم، مع التلويح باستخدام قدرات وجغرافيا وأساليب عسكرية لم تُستخدم في المواجهات السابقة.

وهنا تبدو نقطة الخلاف الأساسية: واشنطن تريد أن يكون التفاوض وسيلة لإعادة صياغة سلوك إيران الإقليمي والعسكري، بينما تنظر طهران إلى التفاوض باعتباره مسارًا ممكنًا لتخفيف التوتر، من دون أن يتحول إلى أداة لفرض شروط تمس خياراتها الاستراتيجية.

المسألة اليوم لا تتعلق فقط بما إذا كانت إيران ستقبل باتفاق جديد، بل بطبيعة الاتفاق نفسه وما إذا كان قادرًا على معالجة جذور الخلاف بين الطرفين.

فالملف الإيراني يرتبط بمنظومة واسعة من الحسابات الأمنية والاستراتيجية، تشمل البرنامج النووي، والقدرات العسكرية، والنفوذ الإقليمي، والعلاقة مع الحلفاء، فضلًا عن طبيعة الدور الأميركي في المنطقة. ولذلك فإن اختزال الأزمة في عنوان «النووي مقابل الاقتصاد» قد لا يكون كافيًا لإنتاج تسوية مستقرة.

وفي هذا السياق، فإن رفع سقف التهديدات الأميركية قد لا يؤدي بالضرورة إلى دفع طهران نحو تقديم التنازلات، بل قد يدفعها إلى إعادة ترتيب أوراقها وتعزيز أدوات الردع والمناورة، خصوصًا إذا اعتبرت أن الهدف النهائي من الضغط هو فرض صيغة استسلام سياسي لا اتفاق متوازن.

من هنا، فإن «القرار الكبير» الذي تحدث عنه ترمب لا يبدو قرارًا ثنائيًا بسيطًا بين الاتفاق والحرب، بل هو اختبار لقدرة الإدارة الأميركية على إدارة ملف شديد التعقيد تتداخل فيه الدبلوماسية مع الردع والاقتصاد مع الأمن والسياسة الإقليمية مع الحسابات الدولية.

وبالنسبة إلى طهران، فإن أي مسار تفاوضي يبقى ممكنًا إذا أدى إلى خفض التوتر وحفظ المصالح المتبادلة، لكنه لن يكون مقبولًا إذا تحوّل إلى سياسة إخضاع أو محاولة لفرض شروط أميركية بالقوة.

وعليه، فإن واقع المواجهة يفرض على إدارة ترمب التعامل مع الحسابات الإيرانية كما هي، لا كما تريد واشنطن أن تكون. فكلما ارتفع سقف التهديد، ارتفعت في المقابل كلفة أي خطوة عسكرية غير محسوبة، فيما يبقى التفاوض هو المسار القادر على اختبار إمكان الوصول إلى تفاهم، شرط أن يقوم على المصالح المتبادلة لا على فرض الإرادة من طرف واحد.

وفي نهاية المطاف، فإن نجاح السياسة الأميركية لن يُقاس بحجم التصريحات والتهديدات، بل بقدرتها على تحويل الضغط إلى نتيجة سياسية قابلة للحياة. أما استمرار المناورة بين التهديد بالتصعيد وعرض التفاوض، من دون تغيير جوهري في مقاربة واشنطن، فقد يبقي الأزمة مفتوحة ويجعل «القرار الكبير» أكثر تعقيدًا مما يبدو في تصريحات ترمب.