كتب الأستاذ علي خيرالله شريف:
الكُلُّ يحفظُ عن ظَهرِ قلب أن النظافةَ من الإيمان، فَتَرى البَعضَ يَتَخَتَّمُونَ باليمين ليُقال أنهم مؤمنين، وبنفس اليد الـمُتَخَتِّمَة يرمون النفايات في الشوارع والأزِقَّة والأنهار، وفي كُلِّ مَكانٍ تَصِلُ إليه أَيمانُهُم. لقد بِتنا نَعيشُ مع حاوياتِ النِفايات، ونتآلف مع الفئران والجرذان والقطط الـمُتَوَحِّشةِ السِّمان.
انتشرت الأمراض كالنار في الهشيم. والـمُضحِكُ الـمُبكي أننا نستغربُ ونُصابُ بالدهشة لِأنواعِ الأمراض التي تنتشرُ بيننا وتفتِكُ بنا، ولأنواعِ الميكروبات والفيروسات التي تَتَجَدَّدُ وتَتَطَوَّرُ، وتُبدِعُ في التهام أجسادنا. “النظافة من الإيمان”، قولٌ هو من أجمل الأقوال، يحفظهُ أكثرُ الـمُسلمين، وربما غيرُ الـمُسلمين؛ مع ذلك فإن أغلب حافظيه لا يُطَبِّقونَه، على الأقل في لبنان. إذن ليست المشكلة في حِفظِ الأحاديث الشريفة والأقوالِ المأثورة والأمثال والآيات والقواعد الأخلاقية، إنما المشكلة هي في انعكاس ما نحفظه على سلوكنا، بل في أننا نعمَلَ عكسه مهما بَرَعنا في التنظير له.
فعلى مَن يقعُ يا تُرى وِزرُ ذلك؟ هل يَقَعُ علينا كمواطنين أم على المربي والمعلم، أم على الأسرة، أم على رجل الدين، أم على الدولة؟
إنها سِلسِلَةٌ مترابطة من عيوبِ التربية المدنية والتربية الاجتماعية والتربية الوطنية، تُعَشعِشُ في أذهاننا وفي أوصالِ مجتمعنا؛ الدولةُ لا عِلمَ للمتربعين على كراسيها، بثقافة بناء الدُولِ والأوطان، وأكثرُ البلدياتِ لا علم لها بأصول عَمَلِها، فلا وجود في قاموسِهم لما يُسمى السياسات التربوية لبناء المجتمع، وبالتالي المدارس لا تقوم بواجبها كما يجب، فلا مناهج صحيحة ولا طرائق إكساب السلوك، ولا مَن يُراقِبُ أداءها؛ وحتى لو راقبوها فما هي مَحَكَّاتُ تقييمها(أو تقويمها). إذن لا يتلقى خِرِّيجوها من التلامذة ما يحتاجُ من تربية مدنية، وعندما يكبُرون ويتزوجون، يبنون أُسَراً فاقدة لتلك التربية لأن فاقد الشيء لا يُعطيه، فتُنتِجُ تلك الأُسَرُ أطفالاً ينشأون على ما نشأَ عليه آباؤهم الأولون وأُمَّهاتُهُم، ويتعلمون في نفس مَدارِسِهِم، ويَتَحَلُّونَ بنفسِ سُلوكِهِم. وهكذا تتفاقم الأزمات، وتستشري الأوبئة الاجتماعية والوطنية من جيلٍ إلى جيل. هذا ولم نتحدَّث بعد عن أداء بعض الجمعيات وكيانات ما يُسَمَّى بالمجتمع المدني(مع التحفُّظ على وطنيتها)، التي تزيد المجتمع شرذمةً وتقسيماً.
إذا أردنا للنظافة أن تكون حقيقية في مجتمعنا، فعلينا أن نجعلَها بمستوى نظافةِ الإيمان وطهارتِه ونقائه، وليس بمستوى مفهومنا الخاطئ والقاصِرِ والـمَنقوصِ للإيمان، ولا بمستوى الواقع المرير الذي نعيشُهُ في طُرُقاتِنا وَبِيئَتِنا وَينابِيعِنا وأَنهارِنا وَبُحَيراتِنا وَشَواطِئِنا، وما شواطِئُنا ونهر الغدير المشهور في حي السلم، وبحيرةُ القرعون ونهر الليطاني وينابيع اليمُّونَة نهر العاصي وغيرها، إلا أمثلة دامغة على أن النظافة في بلدنا لا علاقة لها بالإيمان، بل الإيمان براءٌ منها.