ساعر يضم الجنوب في ظل سلطة تُفاوض

 

 

نشرت وزارة الخارجية الإسرائيلية، التي يرأسها جدعون ساعر، خريطة إحصائية ظهر فيها الجزء المحتل من جنوب لبنان مقتطعاً من الخريطة اللبنانية ومدمجاً بالمساحة الإسرائيلية. وتزداد خطورة الخريطة لأنها تأتي في قلب مسار التفاوض الجاري مع السلطة، وبعد توقيع اتفاق يفترض أنه تتويج لمسار الدبلوماسية لاستعادة السيادة اللبنانية كما تقول السلطة، وبعد اعتماد مفردة «إعادة الانتشار» بدلاً من الانسحاب. تقدم الخريطة تفسيراً بصرياً لمشروع المنطقة الأمنية؛ فالأرض المحتلة لا تظهر أرضاً لبنانية تخضع لاحتلال مؤقت، بل مساحة يجري دمجها تدريجياً بـ»إسرائيل».

ندد «حزب الله» بالخريطة، معتبراً أنها تؤكد الأطماع الإسرائيلية في جنوب لبنان. لكن السؤال الأهم يتعلق بموقف السلطة التي دخلت التفاوض تحت عنوان استعادة الأرض؛ فهل تطلب سحب الخريطة واعتذاراً إسرائيلياً مكتوباً يعترف بلبنانية كامل الأراضي الواقعة شمال الحدود الدولية، أم تواصل التفاوض كأن شيئاً لم يحدث؟

وهنا لا يكفي بيان استنكار تقليدي؛ لأن الخريطة تمس أساس التفاوض نفسه. والموقف الطبيعي هو التهديد بتعليق الجولة المقبلة، لا إنهاء المسار، حتى تسحب «إسرائيل» الخريطة ويؤكد الوسيط الأميركي أن مرجعية المفاوضات هي الحدود الدولية. أما الصمت فيعني أن السلطة تقبل التفاوض على ترتيبات أمنية فوق أرض بدأت «إسرائيل» تمحو لبنانيتها.

في التطورات الإقليمية، أعلن بنيامين نتنياهو رفض خطة ترامب ذات النقاط الخمس عشرة لغزة، متمسكاً بنزع سلاح حماس كاملاً قبل أي انسحاب إسرائيلي، بينما تقوم الخطة الأميركية على انسحاب تدريجي متزامن مع ترتيبات السلاح ونقله إلى عهدة فلسطينية. ويؤكد الرفض أن نتنياهو يخضع الاتفاق لحسابات انتخابات تشرين الأول، ويرفض منح ترامب إنجازاً لا يستطيع تسويقه لجمهور اليمين.

وبالتوازي، عاد نتنياهو إلى تهديد إيران، متجاهلاً أن أزمة الصواريخ الاعتراضية الأميركية – الإسرائيلية تجعل أي حرب جديدة مختلفة. تستطيع «إسرائيل» بدء الحرب، لكن إيران تستطيع إدارة كثافة الرد ومدته وجغرافيته، وتحديد ما إذا كانت المواجهة ستبقى ثنائية أم تمتد إلى القواعد الأميركية ودول الخليج.

وعلى هذا الخط، لم تكن الخريطة التي ظهرت في منشور لوزارة الخارجية الإسرائيلية على منصة «إكس» تفصيلاً عابراً بالنسبة إلى بيروت. فالمحتوى الذي تناول أوضاع الأطفال الغذائية في الشرق الأوسط تضمّن رسماً جغرافياً بدا فيه لبنان منقوصاً من أجزاء من جنوبه، بعدما أُدرجت تلك المناطق ضمن الحدود المرسومة لـ»إسرائيل». وبينما أُزيل المنشور لاحقاً، كانت دلالته السياسية قد سبقت حذفه، ودَفعت بيروت إلى التعامل معه كمسألة تتصل مباشرة بصورة لبنان وحدوده.

وعليه، وجّه رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى متابعة القضية مع الجهات الدولية والأميركية، فيما دخلت السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة على خط الاتصالات مع وزارة الخارجية الأميركية، طالبةً معالجة الأمر مع الجانب الإسرائيلي. ووفق معطيات لبنانية، أسفرت هذه الاتصالات عن تدخل أميركي لدى «إسرائيل» انتهى بإزالة الخريطة.

لكن ما انتهى على الشاشة لم ينتهِ سياسياً. فلبنان، بحسب مصادر سياسية، لا يريد أن تتحول عملية الحذف إلى خاتمة للموضوع، بل يتعامل مع ما حصل باعتباره واقعة تستحق التوقف عندها في المرحلة المقبلة، ولا سيما أن المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية تقترب من ملفات أكثر ارتباطاً بالحدود ومستقبل الوضع في الجنوب.

وتشير المصادر إلى أن المسألة الأساسية ليست معرفة ما إذا كانت الخريطة قد نُشرت عن قصد أم نتيجة خطأ، وإنما منع تكريس أي تصور جغرافي ينتقص من الأراضي اللبنانية، أياً كان مصدره أو شكله. فالخرائط، في الملفات الحدودية، ليست مجرد رسوم توضيحية، وقد تكتسب مع الوقت قيمة سياسية إذا اقترنت بوقائع ميدانية أو بقيت من دون اعتراض واضح.

ولهذا السبب، ترغب بيروت في أن يكون موضوع الحدود أكثر حضوراً في الجولة المقبلة من مفاوضات روما، وأن تحصل على إجابة إسرائيلية واضحة لا تحتمل التأويل بشأن حدود لبنان. فالموقف اللبنانيّ يقوم على قاعدة أن الحدود ليست مادة قابلة لإعادة النظر تحت ضغط التطوّرات العسكرية، وأن أي تفاهم مستقبلي يجب أن ينطلق من الحدود المعترف بها، لا من المناطق التي تغيّرت فيها موازين السيطرة خلال الحرب.

ويأتي ذلك بالتزامن مع التحضيرات اللبنانيّة للجولة المقبلة، والتي لا تزال محكومة بالملفات الثلاثة التي تعتبرها بيروت مدخلاً لأي تقدّم: تثبيت وقف إطلاق النار، وتوسيع نطاق المناطق التجريبية، ووضع حد لعمليات هدم المنازل وتجريف الأراضي في الجنوب.

وتقول المصادر إن إضافة ملف الحدود إلى هذه العناوين تعني أن المفاوضات قد تدخل مرحلة أكثر تعقيداً. فلبنان لا يناقش فقط آليّة الانسحاب الإسرائيلي أو الترتيبات الأمنية في الجنوب، بل يريد أيضاً ضمان ألا تترك المرحلة الانتقاليّة وراءها وقائع يمكن استخدامها لاحقاً في النقاش الحدودي.

وهنا تبرز أهمية ما يجري على الأرض، فكلما طال بقاء القوات الإسرائيلية أو توسّعت البنية العسكرية التي تقيمها داخل المناطق الجنوبية، ازدادت المخاوف اللبنانية من أن تتحول الإجراءات المؤقتة إلى وقائع دائمة. وفي هذا السياق، أشارت صحيفة «هآرتس»، استناداً إلى صور أقمار اصطناعية وجولات ميدانية، إلى إنشاء الجيش الإسرائيلي مواقع وطرقاً عسكرية في مناطق داخل جنوب لبنان.

وفي موازاة ذلك، شنّ «حزب الله» هجوماً حاداً على السلطات اللبنانية، على خلفية نشر وزارة الخارجية الإسرائيلية خريطة أظهرت أجزاءً من جنوب لبنان ضمن المساحة المرسومة لـ»إسرائيل»، معتبراً أن الخطوة تعكس استمرار الأطماع الإسرائيلية في الأراضي اللبنانية.

وقال الحزب، في بيان صادر عن دائرة العلاقات الإعلامية، إن الخريطة تؤكد، بحسب تعبيره، تمسّك «إسرائيل» بمحاولة فرض وقائع جديدة على الأرض، معتبراً أن المفاوضات المباشرة الجارية ليست سوى وسيلة لكسب الوقت وتثبيت معادلات جديدة.

وحمّل الحزب السلطة اللبنانية مسؤولية ما وصفه بـ«مسار التنازلات»، داعياً إلى مراجعة شاملة للسياسات المعتمدة، ووقف المفاوضات المباشرة، والتحرك سياسياً ودبلوماسياً وقانونياً، بما في ذلك التوجه إلى مجلس الأمن وتقديم شكوى رسمية بشأن ما اعتبره انتهاكاً جديداً للسيادة اللبنانية.