سلاحٌ قاتل بلا رصاص…

| شوقي عواضة | كاتب سياسي

 

ليست المرّة الأولى التي يستخدم فيها العدوّ الاسرائيليّ التّجويع كوسيلةٍ حربيّةٍ يتمّ من خلالها تحويل الغذاء والدّواء إلى سلاحٍ قاتلٍ ووسيلة ضغطٍ لتحقيق أهدافهم، فاليهود هم أوّل من استخدم هذا السلاح الفتّاك وذلك من خلال تعليمات التلمود المستمدّة من النّصوص التّوراتيّة التي خطّت قواعده وقد وردت في العهد التّوراتي لملوك (إسرائيل) ويهوذا (1000–586 ق.م) وفي (العهد القديم) إشارات تصف الجوع الشّديد الذي وقع في السّامرة (حتى أكل النّاس بعر الحمير ورؤوسهم) ـ “سفر الملوك الثاني”، وقد طوّرت في بعض المدارس التّلمودية المتطرّفة (مثل مؤسّسات الحاخام كاهانا أو الحاخام إسحاق شابيرا)، التي أفتت ببعض نصوص التلمود لتبرير قتل المدنيّين من غير اليهود وحتّى قتل أطفالهم بحجة القضاء على الخطر المحتمل والوقاية العسكريّة في أوقات الحرب ومنع المساعدات الغذائيّة أو الإغاثيّة عن “العدو” غير اليهودي ومن الدّعوات التي تحثّ على استخدام الجوع والحصار كسلاح ما ورد في “رسالة السنهدرين” أيّ المجلس اليهوديّ الأعلى للإفتاء الذي كان له دورٌ بارزٌ في ترسيخ استخدام التّجويع كسلاحٍ، وقد اعتبرت رسالة سنهدرين جزءاً من التلمود، وتحديداً من “المشنا” والجمارا”، وهما المكوّنان الرّئيسان للتلمود الذي يذكر بوضوح في الفقرة 76ب من الرّسالة التي تتضمّن مجموعةً كبيرةً من الفتاوي والأحكام الدّينية اليهوديّة فيقول: (من يُطعِم مَنْ لا يَستحِق الطّعام، كمن يعين الشّرّ. ومن يمنع الطّعام عن الجاحد، فهو يمنع الأذى) هذا على المستوى الدّيني الذي سنّ قوانين تبيح استخدام كلّ شيءٍ وتحويله إلى سلاحٍ في وجه الخصوم والأعداء من غير اليهود. أمّا في أدبيّات الصّهاينة فقد صدرت العديد من الكتب والمؤلّفات العنصريّة والتحريضيّة التي تبرّر قتل غير اليهوديّ ففي عام 2009 صدر كتاب (توراة الملك) للمؤلّفين الحاخام يتسحاق شابيرا ويوسي إلعيتسور وهو كتاب يتضمّن مجموعةً من المفاهيم التّلمودية والتّوراتيّة التي تحرّض على غير اليهود وتساهم إسهاماً كبيراً في دعم ركائز الكيان الصّهيوني كوطنٍ يهوديٍّ وتوراتيٍّ حيث يدعو “إلى قتل غير اليهود، حتّى لو لم يكونوا مقاتلين، إذا كان وجودهم قد يشكّل تهديداً مستقبلياً. حتى الأطفال يجوز قتلهم إن كنّا نخشى أن يكبروا ليؤذوا اليهود. كما يجوز منع الإمدادات عن الجماعات المعادية كلّها.

لم يقتصر استخدام التّجويع كأداة حرب على اليهود والصّهاينة بل إنّ العديد من الإمبروطوريات البيزنطيّة والفارسيّة وحتى النازيّة استخدمته كسلاحٍ في حروبها وهذا لا ينفي صفة الإبادة وارتكاب القتل الجماعي عن من تبنّى هذه النظريّة حتّى إنّ العرب استخدموا تلك الأداة في حروبهم وعلى سبيل المثال أوّل حصارٍ عربيٍّ قاده زعماء قريش بقيادة أبي جهلٍ وأبي سفيان على بني هاشم والنبي محمد في شِعَبِ أبي طالب ففرضوا حصاراً كبيراً حيث منعوا فيه التّجارة والطّعام والماء بغية تحقيق أهدافهم السّياسيّة في حربهم على الرّسول الأكرم لإجبار بني هاشم على تسليمه، وحتّى اليوم لا يزال الجوع يُستخدم كأداة حربٍ في مواجهة الخصوم، وما يرتكبه العدوّ الصّهيوني اليوم من جرائم بحق الإنسانيّة جمعاء في غزّة وعلى مرأى من العالم أجمع دون ارتداعه عن ذلك متحديّاً قرارات الأمم المتحدة ومنظّمات حقوق الإنسان، ضارباً عرض الحائط كلّ القوانين والأنظمة ممّا يؤكّد إجراميّة وعنصريّة هذا الكيان الإرهابيّ الذي يتقاسم حصاره مع صهاينة الأعراب وكأنّ التّاريخ يعيد نفسه. فأعراب قريش الذين حاصروا بني هاشم هم من يحاصرون اليوم غزّة هاشم وهم شركاء في الحصار والعدوان والإبادة الجماعيّة فيها بل هم أشدّ فتكاً من الصّهاينة وأكثر تمعّناً في قتل وذبح هذا الشّعب من العدوّ الصّهيوني بل إنّ العدوان المستمرّ على غزّة منذ ما يقارب العامين لما كان ليستمرّ لولا الرّضوخ العربي والدّعم الماليّ للكيان وكسر الحصار عنه وتقديم كلّ الدّعم له عبر البحار والطائرات وإرسال كافّة المعونات والنّفط لإنقاذ العدو الذي وصل إلى لحظة الاحتضار لولا الدّعم والتّدخّل الأميركيّ والغربيّ والدّعم العربيّ الذي كان بمثابة الأوكسيجين الذي ساعد العدوّ في تمديد عدوانه على غزّة ولبنان وسورية.