كتب الأستاذ علي خيرالله شريف:
يُذَكِّرُني رئيس حكومة تصريف ما تبقى من وطن، نجيب ميقاتي “بالنُورِيَّة” التي نلتقيها في الشارع أحياناً وهي تمد يدها وتبدأ بالنعي والتباكي والتوسُّل كي نعطيها “من مال الله”، في حين أن مال الله كله مُكَدَّس في مكانٍ ما من منزلها، تقفل عليه المنافذ لتأتي إلى عملها يومياً في الأسواق وبين السيارات بغية زيادة التسوُّل ومراكمة التكديس.
يُقال عن الشخص الذي يحاول إرضاء كلِّ الناس من كل الأطياف، أنه يُمسِك بالعصا من الوسط. أما رئيس حكومتنا العبقري فلا نستطيع أن نحدد الموضع الذي يمسك عصا إدارة البلد منه. فعند الحديث عن ح. الله لا تدري أي موقف هو يتخذ منه، هل هو معه أم هو ضده. فتراه يتنقل بسرعة البرق بين الألوان والأغصان دون أن يثبت على موقف واضح. وعندما تسأله عن الكيان الغاصب، لا تستطيع أن تفهم منه هل هو يعتبره عدوّاً أو غير عدو.
في حديثه بالأمس لصحيفة لو فيغارو الفرنسية رسم رئيس حكومتنا لوحة تشكيلية عشوائية للوضع في لبنان حتى كِدنا نظنه لا علاقة له بالحكم وأنه يتحدث باسم أحد الغوغائيين الذين يهتفون “فليسقط واحد من فوق”(بدل فليسقط وعد بلفور)، أو هو مأزوم في تلك المقابلة لدرجة أنه يقطع فيها من كلِّ وادٍ عصا. فهو مثلاً اكتشف لِلتَّو أن مليوني لبناني يعيشون تحت خط الفقر ومع ذلك ما زال يبحث عن عناوين جديدة لضرائب يمكنه أن يفرضها على هذا الشعب، ثم حمَّلَ الحكومة مسؤولية تردي أوضاعهم المعيشية(وكأنه لا علاقة له بالحكومة). وطبعا نحن نتمنى أن يسمع نجيب ميقاتي رأيَ نجيب ميقاتي. ثم انتقل إلى مطالبة المجتمع الدولي بالدعم العاجل لتسوية أزمة النازحين السوريين. ونستغرب أنه لم يفهم بعد أن سبب وجود النازحين السوريين في لبنان، هو أصلاً هذا المجتمع الدولي ذاته الذي يتباهى دولته به ويتذلل له، فهو نفسه المتآمر علينا، وهو الذي اتخذ القرار بإبقاء النازحين في بلدنا لأسباب لا يفهمها إلا رجال الدولة الحقيقيين، وهو الذي يصدر القرارات التي تهدد لبنان بالويل والثبور وعظائم الأمور إن رفض توطين السوريين فيه.
وأبلغ ما قاله الرئيس ميقاتي في مقابلته مع اللوفيغارو الفرنسية، كان انتقاده لتفشي ثقافة الفساد والتبذير في القطاع العام، وانتقاده لعدم وجود إصلاحات شاملة، ثم دعا مجلس النواب(من على منبر اللوفيغارو) إلى تبني الميزانية التي اقترحتها حكومته والتي تتماشى مع الإصلاحات التي طلبها صندوق النقد الدولي(وما أدراك ما تلك الإصلاحات). إذن يكمُنُ بيتُ القصيد في هذه الموازنة التي يسيل لعاب دولته عليها.
أما أطرف ما قاله فكان طلبُه من “القوى العالمية”(لم يحدد ماهية تلك القوى) استخدام نفوذها لإقناع مختلف التيارات اللبنانية بانتخاب رئيس للجمهورية… يا للسيادة والاستقلال…
هنيئاً للبنان بهكذا رئيس حكومة هو بأمَسِّ الحاجة لمن يدير الحكومة عنه، رحمةً بلبنان واللبنانيين. وهنيئاً للبنانيين بهكذا رجال دولة لا يعرفون من أين تبدأ الدولة، بل يعرفون كيف يرمون بالمزيد من اللبنانيين تحت عتبة الفقر.
وهنيئا لصندوق النقد الدولي بهكذا حكومة باتت على قاب قوسين أو أدنى من بيع أصول الدولة له بأبخس الأثمان.