بقلم علي خيرالله شريف
“من كوخ عبدالله إلى كوخ عبدالله”، هكذا كنا نقول للدلالة على أننا نقصدها من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، لا نستثني منها شبراً ولا فرداً، ولا نبتةً أو سنديانةً أو شجرةِ لِزَّاب، ولا “مَلحَفَةَ” ريباس، ولا كائناً من كان أو ما كان، في كل زاويةٍ ومكان.
قريتي التي سوَّرَها الله من الغرب بأشهق الجبال ومن الشرق بأكثرها تواضعاً وترحاباً بالضيف الوافد مع شروق الشمس التي تحمل إليها تباشير الصباح مع عزف الصِياح وبريق الندى وعطر الزيزفون.
أستحلِفُكُم بالله أن تعيدوا إليها روعة جمالها، وانتعاش نسيمها، وعذوبة مياهها، ونضارة بساتينها، وطيب ثمارها، وزقزقات طيورها. أعيدوا إلى قريتي براءتها من كل الموبقات التي أدخلوها إليها في ظلام الليل الدامس وعمى الجهل الغاشم، وهمجية الإجرام القاتل، ووحشية الجشع والطمع.
أعيدوا إليها نشوة القهوة مع شروق الشمس على شرفة الإلفة والحنين، مع الأخوةِ وأولاد العم والجار والقريب والصديق والحبيب.
أستحلِفُكُم بالله العظيم وبكل مقدساتكم، أن تكفوا أذاكم عن أجملِ نِعَمِ الله علينا، وكُلُّ نِعَمِهِ جميلة. لا تلوثوا نسائمها بمطابخ السم الزؤام، ولا تُحَوِّلُوا عَرائِنَ الأُسودِ فيها إلى أوكارٍ لخفافيش الليل، ولا تُبَدِّلوا ولائم فَرَحِها وسَعادَتِها بِمَناحاتٍ ومآتم.
وكأني بأحرفها تتوسل الله الرحمة، فياؤها تنادي “يا رب”، وَمِيمُها تَنشُدُ أُغنِيَةَ الـمَحَبة، وَواوُها تَعزِفُ لَـحنَ الوِئام، ونونُها تطلب النجاة، وتاؤها المربوطة تعشق التعاون المربوط بالبر والتقوى. إجمعوا أحرفها واربطوها بحبل المودَّة، ثم أعيدوا إليها رونقها وشموخها كي تعانق الجبال الشاهقة.
“اليمونة” كلمة سري وسرُّ وجودي، ومنشأ كياني، ومحطُّ رحالي ومنتهى مثواي. هلمُّوا نأتَزِرُ بالهمَّةِ العالية والنفوس الزاكية والآمالِ الواعدة، لنبنيها ونحميها ونُطَوِّرُها وننهض بها إلى ما فوق السحاب. هَلُمُّوا نُنقِذُ نبع التفاحة ونبع الـمُغرِ ونبع الأربعين. هَلُمُّوا نسترجع مجدَ مطحنةِ الـمَحقَن وعين البحصة ونبع الشرقي وعين العروس، وكلَّ عرائس الينابيع في قريةِ الصفاء والنقاء والقلوب البيضاء.
إن قريتي الجميلة هي لوحةُ رسامٍ رائعة، فلا تُشَرِّعوا أبوابها لزناة الليل وشَبِّيحة النهار، وللعابثين بنعم الله عليها؛ هي ثروة قد مَنَّ الله علينا بها، فلا تسمحوا أن يبعثرها المفسدون، ويُهشمها الـمُخَرِّبون، ويُلَوِّثها ذَوو السمعةِ النَتِنَة.