كتب الأستاذ علي خيرالله شريف:
هرع رئيس الحكومة إِلى دعوةِ وليد البُخاري لزيارته في السراي، فرأيناه يتمركز أمامه على الكنبة وأنفُهُ مرفوعٌ إلى الأعلى، ينظر إلى الميقاتي من خَلفِ نَظَّارَتَي التَكَبُّرِ والاستخفاف، والميقاتي يَفرُكُ يَدَيهِ تَمَلُّقاً ويستجمعُ كَتِفَيهِ تَذَلُّلاً، وَيُحاوِلُ إقناعَ ضيفِهِ المُتَذَمِّرِ خلف بسمته الصفراء، أن لا خطر على المواطنين الأشقاء التابعين لجلالة المملكة العصماء. فيجيبه البخاري من تَحتِ أنفه ومن طرفِ لِسانِه، أن المملكة حريصة على مواطنيها أينما حلوا وأينما ذهبوا… وطبعاً الميقاتي خشعَ لما سَمِع، وتَبَرَّكَ مِن حَنانِ السفير وعَطفِهِ وَحُنُوِّهِ على مواطنيه. وإن كان قد اقتنع دَولَتُهُ بهذا الكلام، فذلك يدلُّ إما على جهله بحقيقة ما يجري في بلاد الحجاز، وإما بعدم تجرؤه على التفكير بما يعلم. وما أسرع ما اتخذ قراره بإيفاد وزير خارجيته الفطحل عبدالله بو حبيب ليسترضي أصحاب السمو والجلالة وكل من يُنادَى بعبارة “طال عمرك”، ويحاول إقناعهم بما لا يريدون الاقتناع به أن لبنان آمن أكثر من حبيبتهم الولايات المتحدة الأميركية.
أما وزير الداخلية بسام المولوي، القاضي “القرفان” دائماً عندما يتكلم، فقد هرول إلى طلاتِهِ الإعلامية، وسارع إلى الإطناب في استعداده الدفاع عن الرعايا السعوديين في لبنان، والرعايا الكويتيين والإماراتيين، ثم استطردَ قائلاً أن حرصه على الخليجيين لا يقل عن حرصه على اللبنانيين. وبالتأكيد ليس لدينا أي دليل على حرصه على اللبنانيين.
كما أننا ليس لدينا شك أن البخاري ومملكته، حريصين على مواطنيهم أينما وُجِدوا، والدليل على ذلك ما فعلوه لحماية الصحافي السعودي جمال الخاشقجي في القنصلية السعودية في اسطنبول، وما يفعلونه مع مواطنيهم صبح مساء من اعتقالات وتعذيب وإعدامات، حتى أن حرصهم هذا لم يوفر أي مقيم عربي على أرض الحجاز التي ينصبون مضاربهم فيها.
أما من ناحية طلب السفارة من رعاياها مغادرة لبنان لأسباب أمنية، ونحن في عز موسم السياحة، فكل الكون يعلم أنه ليس للسعودية رعايا في لبنان لأنها تمنعهم من القدوم إليه منذ ثلاث سنوات. إذن أي كلام للبخاري عن أسباب بيانه وإنذاره لرعاياه هو كلام بلا مُسَوِّغ ولا طائل، إلا إذا كان الهدف منه يكمن في نوايا مبيتة قد تم الاتفاق عليها في مكانٍ ما، ومع سفراء معروفين، أقل أهدافها التأثير على الاقتصاد اللبناني المريض بالأساس، في ظل الحصار الذي يشاركون جميعهم فيه ضدنا، والله أعلم بما وراء الأكمة.
ما زلنا نَحلُمُ، كمواطنين لبنانيين، أن يكون لدينا مسؤولين يعرفون كيف يتخذون المواقف الـمُشَرِّفة لصيانة عزة الوطن، التي بُذِلت من أجلها الدماء وزُهِقت الأنفس والأرواح. تلك العزة التي يجتهد هؤلاء السفراء في إهانتها وانتهاكها كُلَّما سنحت لهم الفرصة. ما زلنا نحلُم بأن يحكمنا رجال دولة حقيقيين.