من طهران إلى موسكو.. هل تتشكّل مظلّة أمنية إقليمية جديدة بمشاركة إيران؟
| فراس فرحات | كاتب وباحث سياسي
تتسارع المؤشرات الدبلوماسية في المنطقة على نحو يفتح الباب أمام تساؤلات استراتيجية تتجاوز حدود اللقاءات البروتوكولية، لتلامس احتمالات إعادة رسم التوازنات الإقليمية، وبناء تفاهمات جديدة في الأمن والسياسة والطاقة. فهل نحن أمام تحوّل في مقاربة دول المنطقة لأمنها ومصالحها، أم أن ما يجري لا يزال في إطار تقاطع المصالح والرسائل المتبادلة بين القوى الفاعلة؟
إن اجتماع ما يُعرف بـ«حلف مكة» مع إيران في طهران، أمس، يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذا اللقاء وأهدافه، وما إذا كان يمهّد لتأسيس مظلّة أمنية إقليمية جديدة، تقوم على الحوار والتفاهم بين دول المنطقة، بدلاً من إبقاء أمنها رهينة الحسابات الخارجية.
وتكتسب هذه التحركات أهمية إضافية مع وصول وفد قطري رفيع المستوى إلى طهران اليوم، بالتزامن مع وجود الرئيس الإيراني والأمير القطري في موسكو، في مشهد تتقاطع فيه ملفات الأمن والطاقة والسياسة، وتبرز فيه تساؤلات حول ما إذا كانت هذه اللقاءات أجزاءً من مسار إقليمي أوسع، أم أنها تحرّكات متوازية تفرضها مصالح كل دولة وحساباتها.
من أمن المنطقة إلى معادلة الطاقة.. هل يجري التحضير لتفاهمات أوسع؟
لا يمكن قراءة هذه التحركات بمعزل عن التحديات التي تواجه أسواق الطاقة العالمية، وعن المصالح المتشابكة لكل من روسيا والولايات المتحدة ودول المنطقة. فملف الطاقة لم يعد مجرد مسألة اقتصادية، بل بات جزءاً من معادلات النفوذ السياسي والأمني، وعنصراً مؤثراً في مسارات التفاوض والتسويات الدولية.
من هنا، يبرز السؤال حول احتمال وجود تفاهمات أوسع تربط بين أمن المنطقة ومصالح الطاقة والتفاهمات السياسية، وصولاً إلى البحث في الظروف التي قد تسمح بتنفيذ اتفاق إسلام آباد بكامل بنوده.
لكن الأهم هو تحديد طبيعة العلاقة بين هذه الملفات: هل يجري العمل على تسوية متكاملة تتداخل فيها المصالح الأمنية والاقتصادية، أم أن تزامن التحركات يعكس تقاطعاً في الحسابات من دون وجود اتفاق شامل حتى الآن؟
المسألة الأساسية لا تتعلق بمجرد عقد اجتماعات أو تبادل رسائل دبلوماسية، بل بإمكانية الانتقال إلى صيغة إقليمية جديدة تعترف بأن أمن المنطقة لا يمكن أن يتحقق عبر استبعاد أي قوة أساسية فيها، أو التعامل مع مصالحها باعتبارها عاملاً يمكن تجاوزه.
وفي هذا السياق، يبرز دور إيران بوصفها طرفاً إقليمياً مؤثراً، وما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد انتقالاً من إدارة التنافس إلى بناء تفاهمات أمنية وسياسية تستند إلى المصالح المتبادلة، وتحدّ من احتمالات المواجهة المفتوحة.
فأي منظومة أمنية إقليمية قابلة للاستمرار تحتاج إلى مشاركة الأطراف المعنية، وإلى قواعد واضحة تحكم العلاقات بينها، بما يضمن احترام السيادة وتبادل المصالح، ويحدّ من استخدام أراضي المنطقة ساحةً لتصفية الحسابات الدولية.
ومن هنا أيضاً، يبرز احتمال انضمام مصر إلى أي إطار إقليمي من هذا النوع، في حال توافرت الظروف السياسية والأمنية المناسبة.. غير أن هذا الاحتمال يبقى مرتبطاً بطبيعة المشروع المطروح، ومدى توافق الدول المعنية على آليات اتخاذ القرار وحدود الالتزامات المتبادلة.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في جمع الدول حول طاولة واحدة، بل في تحويل هذا اللقاء إلى مسار مستدام، قادر على إدارة الخلافات ومنع انتقالها إلى مواجهات، من دون أن يتحول التعاون الإقليمي إلى تحالف مغلق في مواجهة أطراف أخرى.
يبقى السؤال الأكثر حساسية: إلى أي مدى تستطيع دول المنطقة بناء تفاهمات أمنية مستقلة عن حسابات القوى الكبرى، في ظل استمرار التأثير الأميركي في خيارات عدد من الدول العربية، والتشابك القائم بين المصالح الإقليمية والاستراتيجية الأميركية؟
فالمشكلة لا تتمثل فقط في طبيعة العلاقات بين الدول، بل في قدرة كل طرف على اتخاذ قراره وفق مصالحه الوطنية، بعيداً عن الضغوط التي قد تفرضها التحولات في السياسات الدولية أو تبدّل أولويات واشنطن.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل الحسابات الإسرائيلية، ولا التساؤل عن كيفية تعاطي تل أبيب مع أي تقارب إقليمي قد يحدّ من قدرتها على التأثير في مسارات المنطقة أو يفرض معادلات جديدة للأمن والتعاون.
لكن حجم تأثير هذه العوامل سيبقى مرتبطاً بطبيعة التفاهمات التي قد تنشأ، ومدى قدرة الأطراف المعنية على حماية مصالحها المشتركة، وتجاوز الخلافات التي يمكن أن تستغلها القوى الخارجية لإعاقة أي مسار تقاربي.
ويضاف إلى ذلك التوقيت السياسي والانتخابي في الولايات المتحدة وإسرائيل، وما قد يحمله من تبدلات في الأولويات والحسابات. فهل تنجح الأطراف المعنية في استثمار اللحظة الراهنة لترجمة الاتصالات إلى تفاهمات عملية، أم أن الحسابات الداخلية والضغوط الخارجية ستبقي هذه التحركات ضمن حدودها الدبلوماسية؟
إن تزامن هذه التحركات يفتح الباب أمام احتمال تشكّل مسار إقليمي جديد، لكن التعامل مع هذا الاحتمال يتطلب التمييز بين المؤشرات السياسية والوقائع المثبتة. فليس كل لقاء مقدمة لاتفاق، وليس كل تقاطع في المصالح دليلاً على وجود مشروع موحّد، إلا أن تراكم الاتصالات بين أطراف متعددة يطرح تساؤلات جدية حول الاتجاه الذي تسلكه العلاقات الإقليمية.
والأهم أن أي تحوّل حقيقي لن يُقاس بعدد الاجتماعات أو بمستوى التمثيل الدبلوماسي وحده، بل بما يمكن أن ينتج منها من تفاهمات واضحة، وآليات تنفيذ، وضمانات تمنع انهيارها عند أول اختبار سياسي أو أمني.
ومن هذا المنطلق، فإن بناء منظومة أمنية إقليمية أكثر استقلالاً يبقى احتمالاً مرتبطاً بإرادة الدول المعنية، وقدرتها على التوفيق بين مصالحها، وتحديد أولويات مشتركة تتقدم فيها حماية الاستقرار على حسابات المواجهة المفتوحة.
إن السؤال الذي تطرحه التحركات الممتدة من طهران إلى موسكو يتجاوز احتمال ولادة مظلّة أمنية جديدة؛ إنه يتعلق بمستقبل القرار الإقليمي نفسه.
فهل تتجه دول المنطقة نحو صيغة تدير فيها خلافاتها بنفسها، وتبني علاقاتها على المصالح المتبادلة، أم تبقى رهينة التوازنات الخارجية التي تجعل أمنها مرتبطاً بمسارات الصراع الدولي؟
إذا كانت هذه الاتصالات تمهّد بالفعل لتفاهمات أوسع، فإن الاختبار الحقيقي سيكون في ترجمتها إلى خطوات ملموسة تحمي سيادة الدول، وتحدّ من احتمالات الحرب، وتمنح المنطقة قدرة أكبر على تقرير مصيرها. أما إذا بقيت ضمن إطار تبادل الرسائل وتنسيق المصالح الآنية، فستظل احتمالات التحوّل الاستراتيجي مفتوحة من دون أن تتحول إلى واقع.
في نهاية المطاف، لا تُبنى المظلّات الأمنية بالشعارات ولا بالتمنيات، بل بتوازن المصالح ووضوح الالتزامات والقدرة على اتخاذ القرار. وبين طهران وموسكو، تبقى الأنظار معلّقة على ما إذا كانت هذه التحركات ستؤسس لمسار إقليمي جديد، تكون فيه دول المنطقة شريكة في صناعة أمنها، لا مجرد أطراف تتلقى نتائج القرارات التي تُصنع خارج حدودها.