من هنا يبدأ فك الحصار

 

بقلم علي خيرالله شريف

 

أخطر نتائج معاهدات السلام بين العرب وكيان العدو، هو ما يجري اليوم من تطهير عرقي في غزة والضفة الغربية وباقي فلسطين. إن ما يجري قد أسقط كل الأكاذيب التي كان الإعلام الغربي يخدع الرأي العام العالمي بها، فكان يُزَوِّر الحقائق ويروِّج لمظلوميةٍ مزعومة لليهود ولِكِذبَةِ أن “إسرائيل” هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. وكان يَنعَتُ كُلَّ مَن يخالفه الرأي حتى من المفكرين الغربيين، بشتَّى النعوت التي تودي بهم إلى العزل والسجن ثم التصفية الجسدية.

قلبت غزَّةُ الموازين، وقلبت الرأي العام العالمي رأساً على عَقِب، ففَضَحَت حقيقة ديمقراطية أميركا وإسرائيل أمام أعيُن أهل الأرض. فانعكست الصورة من عدم جرأة أحد على نكران الهولوكوست، إلى عدم جرأة أحد على نكران جرائم الهولوكوستيين التي يرتكبونها في فلسطين. ومع ذلك كُلِّه يستمر الإسرائيلي والأميركي في ارتكاب جرائمهما بكل وقاحة، وتدعمهما في ذلك الدول الغربية.

إذن، انقلاب الصورة وما يرافقه من حراك شعبي عابر للقارات، لم يردع المُرتَكِبين عن جرائمهم، فهم لا يكترثون بشيء، لا بغضبة الشعوب ولا بالقوانين والشرائع الدولية، ولا بالقيَم الإنسانية والدينية والأخلاقية. ولولا الأداء الذي تمارسه قوى ال_مقا_ومة من اليمن إلى العراق ولبنان وسوريا إلى جانب مق_او_مة فلسطين، لأمكننا القول أن لا أحد يزعج الكيان.

 

لم تعد تنفع المناشدات ولا المقالات ولا التغريدات ولا مخاطبة الضمائر ولا الوجدانيات. وأغلب الأنظمة العربية، خاصة في أكبر الدول سكاناً وأكثرها ثراءً، هي متحالفة مع العدو الصهيوأميركي لإبادة الشعب الفلسطيني، وإتمام ما أسموه صفقة القرن.

بعد اسنفاذ كل الفعاليات بتنا على قناعة أن التحرُّك الأفعل الغائب الذي، لو حصل، لاستطاع فك الحصار عن غزة، ودحر العدو عنها، هو تحرك الشعبين المصري والأردني، لأنهما الأقرب إلى غزة والأقدر على التأثير المباشر على الأحداث بما يستطيع أن يرعب العدو والغرب معاً.

 

إذن على المصريين القيام بواجبهم وعلى الأردنيين تطوير تحركهم من الهتاف إلى العمل. وعلى دور رجال الدين والنخب الثقافية والعملية والاجتماعية والسياسية في البلدين، البدء باستنهاض هذين الشعبين وإعلان النفير العام، ثم إطلاق مَسيراتٍ مليونية باتجاهين: الإتجاه الأول نحو سفارات إسرائيل وأميركا والدول الغربية، والثانية نحو المعابر في مصر والأردن. في الاتجاه الأول تحتل السفارات وتأخذ السفراء والموظفين رهائن، تُوَزِّعُهُم في أنحاء البلاد بين أيدٍ أمينة، فلا تُفلِتهُم إلا بعد وقف العدوان وفك الحصار. وفي الاتجاه الثاني تزحف الملايين نحو المعابر، فتوقف جسور الأنظمة البرية نحو الكيان، ولا تتوقف حتى لو أطلقوا عليها الرصاص أو وضعوا أي مانع آخر، تجتاحها وتكمل مسيرها إلى غزة وتجرف بطريقها سلطة محمود عباس المتواطئة. وليحملُ كل متظاهر زادَه وبضعة كيلوغرامات من الغذاء والدواء والماء لأطفال غزة.

 

إن التظاهرات والهتافات داخل البلاد لا تكفي لإنقاذ غزة. إن غزة تنتصر على العدو ولكن يقتلها العرب في بقائهم صامتين. هكذا يمكننا الانتقال من الكلام إلى العمل الحقيقي بمؤازرة أبطال اليمن ولبنان والعراق وسوريا، وأي كلامٍ آخر ليس إلا مضيعة للوقت.

أما الجيوش العربية، فإن لها المواقف الحاسمة لو تحركت، ونحن نعرفُ أن فيها أبطالاً لا يرتضون الذُلَّ والهوان، وننتظر منهم أن يحذوا حذو اليمن وفصائل ال_مق_او_مة قبل فوات الأوان.

.

العدو مهزوم عسكرياً، ولكنه يعتمد سياسة الأرض المحروقة ويمارس عملية تطهير عرقي، بدعم الغرب، بهدف سحق الفلسطينيين. ولا يُستبعد أن يستعمل قنابل نووية تكتيكية. وفي حال نجح في ذلك، سيأتي دور كل الدول العربية الواحدة تلو الأخرى، ومصر والسعودية والأردن على رأس اللائحة.