هستيريا الأحزاب اليمينية في لبنان

 

بقلم علي خيرالله شريف

 

من علامات الانفصام في لبنان على كل الأصعدة الرسمية والشعبية والوطنية والاجتماعية والأخلاقية والإعلامية والسياسية وغيرها، أن يتم استغلال مقتل المغدور باسكال سليمان لتأجيج الفتنة المذهبية، في حين أن المغدور قضى باعتداء عصابة سرقة سيارات أو ربما لأسباب أخرى لا علاقة لها بانتمائه السياسي ولا علاقة لأي تنظيم سياسي بجريمة قتله. مهما كان السبب لا شك أن الجريمة هي عمل جبان ومؤلم لكل من عنده ذرة إنسانية، ويجب إدانته باعتباره اعتداء على المواطنين جميعاً. ولكن بالمقابل، لا نرى الاهتمام اللازم بجريمة قتل المغدور محمد سرور، مع أن هذه الجريمة الثانية تحمل كل التهديد والانتهاك لأمن الوطن والمواطن، من حيث الجهة التي نَفَّذَت، والجهة التي سَهَّلَت، ومن حيث ما تحمله من براهين ودلالات على مدى تغلغل مخابرات العدو في أوصال لبنان.

 

أن يستأجر الموساد شقةً في قرية لبنانية لمدة سنة ويستدرج مواطناً لبنانياً إليها ثم يعمد إلى تصفيته بدمٍ بارد بالتعاون مع جهات لبنانية وفَّرَت له الرعاية والظروف الملائمة لارتكاب الجريمة، فإن ذلك هو عين الخطر. وبعد الجريمتين تتالت الجرائم والاعتداءات في مناطق هيمنة بعض التنظيمات اليمينية المسيحية، لتطال كل مسلم لبناني أو سوري، وتطال بعض الأحزاب اللبنانية اليسارية حتى من غير المسلمين بتهمة انتمائها للم-قا-ومة.

حتى أنَّ بعض النواب المفترض أن يسهروا على السلم الأهلي، تحوَّلوا إلى غوغائيين وقطاع طرق ومَحَرِّضين في الشوارع وعلى وسائل التواصل الاجتماعي وعبر الشاشات، كتفاً إلى كتف مع مجموعات الحاقدين والطائفيين وأبناء الشوارع. وراحوا يدفعون البلد باتجاه الحرب الأهلية، لولا حكمة الطرف الآخر وتدخل الجيش والقوى الأمنية وانتشارهم الواسع. مع العلم أن ح. الله لا علاقة له بجريمة قتل باسكال سليمان لا من قريب ولا من بعيد، كما لم يكن له علاقة بكل ما اتهموه به سابقاً وحاضراً. ورغم انجلاء الحقيقة وانكشاف الفاعلين، يصر اليمينيون على عنادهم باتهام الحزب على قاعدة “عنزة ولو طارت”، ويعيشون حالة من الهستيريا لا مبرر لها جعلتهم يُصَعِّدون اعتداءاتهم العنصرية على اللبنانيين والسوريين، وحتى على المسيحيين الذين يعترضون على سلوكِهِم هذا.

إن الخطر الحقيقي على لبنان يكمن في ما فضحته جريمة قتل محمد سرور. وهذا الخطر يهدد كل الفرقاء حتى أولئك الذين يبثون الإشاعات ويحرضون على الم-قا-ومة بعد أن أعماهم حقدهم عن رؤية الحقيقة. وإن مسار الأحداث يجعل المراقب يستنتج أن الجريمتين قد حصلتا بتدبير نفس الجهة المستفيدة منهما، من أجل تدبير مخطط أكبر وأوسع على الساحة اللبنانية.

 

عندما تكون الموساد هي المتمركزة بكل أريحية في بيت مري، وهي التي خطفت محمد سرور وعذبته وقتلته بعد أيام من جريمة قتل باسكال سليمان، فإنه من الفطنة اتهام الموساد بالجريمتين حتى لو كانت الأدوات سورية أو لبنانية. ولا تستبعدوا أن يكون هذا الجهاز هو الذي يدير التوترات على الأرض. ويتعاون معه المتعنترون على الشاشات بالبروباغندا والتحريض، بقصد أو بدون قصد. ولا تستبعدوا دور سفارة عوكر من المشهد تخطيطاً وتنفيذاً. نحن لا نتهمهم تَظَلُّماً، فتاريخهم يشهد عليهم، وسيرتهم وعدوانيتهم وحروبهم التي يُضرِمونها في بلداننا، تشهد كذلك. ومبادئهم وتلمودهم ومجموعات تفكيرهم، كلها تخطط لهذه الأعمال، بل هذه الأعمال هي من أهم مخططاتهم. وعلى السلطات اللبنانية، إن كانت تريد إنقاذ لبنان من الفتنة، أن تتحرك لمعالجتها جذرياً قبل فوات الأوان.

إن العارفين بحقيقة ح. الله من جوقة الشتامين، يعرفون تماماً أن هذا الحزب لا يمكن أن يقتل أحداً وليس في تاريخه أعمال قتل إلا في الجبهات بمواجهة العدو دفاعاً عن الوطن والأمة. ولكنهم يُصِرُّونَ على شيطنته انطلاقاً من مسألتين أساسيتين، الأولى هي تنفيذ المطلوب منهم من السفارات التي تسيطر على قرارهم، والثانية هي لزرع المزيد من الشقاق داخل لبنان عسى أن يتحقق حلمهم بالتقسيم والفدرالية.

وللأسف إن البعض يعمل على تحقيق أهدافه تلك عن طريق إشعال حربٍ أهلية. وهذا البعض لا يعرف أن سعيه في سبيلِ ذلك سيُنهي لبنان وسيُنهي حلمه بالكانتون، لأن القرار عند الذين يُملون عليه التعليمات، هو محو لبنان عن الخريطة، وإصراره على المطالبة بالفدرالية هو خدمة لذلك القرار.