✳️ *واشنطن تختبر النار مُجدداً.. وإيران ترد برفع كلفة المواجهة* ✳️
*أ. فراس فرحات – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين*
لم تعد المواجهة بين واشنطن وطهران مجرد جولة جديدة من تبادل الرسائل والتهديدات، فالمشهد يتجه نحو اختبار عسكري مفتوح، تبدو فيه الولايات المتحدة أمام محاولة جديدة لفرض معادلاتها بالقوة، فيما تسعى إيران إلى تحويل أي عدوان عليها إلى معادلة مضادة عنوانها: رفع كلفة المواجهة على الولايات المتحدة وحلفائها.
فالعودة الأميركية إلى الخيار العسكري عبر تنفيذ عدوان جديد على إيران تأتي في توقيت بالغ الحساسية، وسط تحذيرات من قادة عسكريين لوزير الدفاع بيت هيغسيث من مخاطر توسيع الحرب وتحولها إلى مواجهة مفتوحة على أكثر من جبهة. وهي تحذيرات تعكس حجم القلق داخل دوائر القرار العسكري من أن تبدأ واشنطن مواجهة يصعب احتواء تداعياتها لاحقاً.
في المقابل، لم تتعامل طهران مع العدوان باعتباره ضربة يمكن احتواؤها بالبيانات السياسية. فقد أعلنت قواتها المسلحة تنفيذ سلسلة من العمليات ضد مواقع للقوات الأميركية في المنطقة، في رسالة أرادت من خلالها التأكيد أن الرد الإيراني لن يبقى ضمن الإطار الكلامي، وأن الميدان سيكون جزءاً أساسياً من معادلة الرد.
لكن الأهم في الموقف الإيراني أن الرسالة لم تكن عسكرية فقط. فقد وضع حرس الثورة مضيق هرمز في قلب المعادلة، رابطاً بين العدوان الأميركي وبين قدرة إيران على التأثير في واحد من أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة والتجارة العالمية.
وهنا تكمن خطورة الرسالة. فطهران لا تريد أن يُفهم ردها باعتباره مجرد رد فعل على ضربة محددة، بل تسعى إلى تثبيت قاعدة جديدة للاشتباك: أي تصعيد أميركي لن يبقى محصوراً في ساحة المواجهة المباشرة، بل قد يرفع الكلفة على المصالح والقواعد والحلفاء والممرات الحيوية في المنطقة.
وبهذا المعنى، يصبح الرد الإيراني جزءاً من معركة أوسع لإعادة ضبط قواعد الاشتباك. فالمعادلة التي تحاول طهران فرضها تقوم على أن اختبار قدرتها العسكرية لن يؤدي إلى إضعافها بالضرورة، بل قد يفتح أمام الطرف المقابل سلسلة من المخاطر التي يصعب التحكم بمساراتها.
وفي السياق نفسه، تؤكد طهران أنها «سترد بحزم وبالطريقة المناسبة على أي عدوان عسكري»، محملة واشنطن والأطراف الداعمة لها مسؤولية نتائج التصعيد وتداعياته.
الرسالة الإيرانية تبدو متكاملة بين الميدان والسياسة. فبينما تتولى القوات المسلحة تنفيذ الردود العسكرية، تتحرك المؤسسات السياسية والدبلوماسية لتقديم الإطار الذي تضع فيه طهران هذه العمليات، باعتبارها دفاعاً عن الأراضي والسيادة الإيرانية في مواجهة العدوان، بالتوازي مع المطالبة بإنهاء الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة.
وهذا يعني أن إيران لا تنظر إلى المواجهة الحالية باعتبارها معركة عسكرية منفصلة، بل باعتبارها اختباراً لإرادة واشنطن وقدرتها على تحمل نتائج التصعيد إذا قررت الانتقال من الضغط والتهديد إلى الحرب المفتوحة.
ومع تصاعد المواجهة، دخل كيان الاحتلال الإسرائيلي على خط الاستنفار، في مؤشر واضح إلى أن دائرة القلق بدأت تتسع.
ونقلت صحيفة «معاريف» عن مصدر عسكري أن الجيش الإسرائيلي يراقب القتال بين الولايات المتحدة وإيران وهو في حالة تأهب قصوى، مع الاستعداد للتعامل مع هجوم إيراني محتمل خلال فترة زمنية قصيرة، فضلاً عن الاستعداد لشن هجوم واسع في حال تعرض إسرائيل لإطلاق نار.
وهذه المعطيات تعني أن أي توسع في المواجهة قد يفتح الباب أمام انتقالها من صراع أميركي ـ إيراني إلى مسار إقليمي أكثر تعقيداً، تدخل فيه إسرائيل والقواعد الأميركية المنتشرة في المنطقة وحلفاء واشنطن على خطوط النار.
الأكثر حساسية في المشهد يبقى البعد الاقتصادي.. فمع دخول مضيق هرمز على خط التهديدات المتبادلة، يصبح التصعيد مرتبطاً مباشرة بحركة الملاحة وأسواق الطاقة.
وأي اضطراب واسع في هذا الممر الحيوي لن تكون تداعياته محصورة بالولايات المتحدة وإيران، بل يمكن أن تمتد إلى أسعار النفط، وسلاسل الإمداد، وحركة التجارة العالمية، واقتصادات دول المنطقة.
وهنا تحديداً تصبح الحسابات أكثر تعقيداً..
فالحرب التي تبدأ بضربة عسكرية قد لا تنتهي عند حدود الرد العسكري، بل يمكن أن تتحول إلى أزمة إقليمية ودولية تتداخل فيها الجغرافيا العسكرية مع الاقتصاد والطاقة والملاحة.
لذلك، فإن السؤال لم يعد فقط: من يملك القدرة على توجيه الضربة الأقوى؟ بل بات: من يستطيع تحمّل الكلفة الأكبر إذا خرجت المواجهة عن حدودها؟
وفي هذه النقطة تحديداً، تبدو إيران وكأنها تريد نقل المعركة من مجرد تبادل الضربات إلى معادلة أوسع: كل عدوان جديد قد يفتح باباً جديداً للكلفة، وكل محاولة لتوسيع الحرب قد تجعل المنطقة والعالم أمام أزمة يصعب احتواء تداعياتها.
فالمواجهة دخلت مرحلة جديدة، وما يجري لم يعد مجرد جولة عسكرية عابرة، بل اختباراً لإرادات كبرى قد ترسم نتائجها حدود المرحلة المقبلة في المنطقة.